الرئيسية / روايات / قارئة الفنجان الفصل 46 الأخير والخاتمة.. بقلمي/ منى لطفي (احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان الفصل 46 الأخير والخاتمة.. بقلمي/ منى لطفي (احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان

الفصل (46)/”الخاتمة”

بقلمي/احكي ياشهرزاد(منى لطفي)

شعرت وكأنها تقف على سطح هلامي، وتمادت الأرض تحت قدميها ما أن سمعت عبارة دوللي لولدها أنها لن تتركه ثانية أبدا، لتهتف بضعف وهي تترنح تضع يدها فوق جبهتها:

– يو.. يوسف!!!!

ليلتفت يوسف اليها فحدق فيها في دهشة وهرع اليها يسندها وهي تتمايل هاتفا بقلق:

– مالك يا حبيبتي؟…

ندى بوهن:

– اسندني يا يوسف.. اسند.. ني!!!!!

فرفعها يوسف بين ذراعيه واتجه الى الأريكة ليضعه عليها تاركا دوللي تقف بالباب وهي تحتضن طاهر والذي ما أن رأى يوسف وهو يحمل ندى حتى صاح عاليا وهو يحاول أن يتملّص من يديّ والدته التي ذهلت للحالة التي تلبّسته:

– دايااااا.. داياااااا…..

فوضعته أرضا وما أن لامست قدماه الصغيرتين الأرض حتى انطلق من فوره حيث ندى في حين جلس يوسف بجورها يمسح على وجهها، فتشبث بساق يوسف ليصعد بجوار ندى التي كانت تترنح بين الاغماء واليقظة ليربت على وجنتها بيده الصغيرة وهو يقول بصوت باكي:

– دايا… توتي بيبي… دايا….

راقبت دوللي ما يحدث أمامها بذهول تام، فابنها الذي لم يبتعد عنها سوى منذ شهور فقط قد تجاهلها كليّة ما أن لمح أبوه وهو يحمل زوجته، ليهرع إليها وتكسو وجهه علامات القلق الشديد وهو يناديها بلهفة ممزوجة بغصّة بكاء!!!..

تقدمت الى الداخل لتقف على مقربة منهم، لتسمع يوسف وهو يطمئن طاهر بأن ندى بخير، فيما الأخيرة تهمس بضعف وابتسامة شاحبة تزين ثغرها موجهة لطاهر:

– أنا.. أنا كويّسة توتي، ما تخافش حبيبي…

دوللي بوجوم:

– ألف سلامة عليكي..

ندى بشبه ابتسامة صغيرة:

– الله يسلّمك..

في حين تدخل طاهر قائلا بحزن وخوف وكأنه يستنجد بها:

– دايا ماما… دايا!!!!

اقتربت دوللي منه والتي فهمت معنى “دايا”.. وأنه يقصد بها ندى، وقالت بابتسامة صغيرة بغية تهدئته وهي تلاعب خصلات شعره الأسود القصيرة:

– دايا كويّسة حبيبي…

تحاملت ندى على نفسها لتعتدل جالسة بمساعدة يوسف وتقول بصوت بالكاد يخرج:

– انا كويّسة توتي، ما فيش حاجة حبيبي…

ليرفع طاهر نفسه فوق ركبتيه يحيط عنقها بذراعيه الصغيرتين يضمها بأقصى ما يستطيع إليه وهو يردد بحزن:

– دايا بيبتي توتي!!!!

فاحتضنته بدورها تغمض عينيها وهي تشم رائحته الطفولية الذكية، مغالبة دموعها التي تهدد بالسقوط قائلة وهي تدفن أنفها في عنقه:

– توتي بيبي دايا!!!!!!

قال يوسف بابتسامة:

– أيه يا كابتن، ندى بخير قودامك أهي..

ابتعد طاهر عن ندى لينظر اليها مليا ثم يميل مقبلا وجنتها بقوة وبصوت عال ليقول بعدها:

– دايا كوسة (كويّسة= بخير)!!!!!!!

لتضحك ندى بضعف وتبتسم دولي بشرود فيما علّق يوسف ساخرا:

– آه.. دايا كوسة، بس مش متقوّرة(محفورة)!!!!!

قالت دوللي باعتذار:

– أنا آسفة أني جيت من غير معاد، لكن أنا كلمتك قبل ما آجي وأنت مارديتش…

يوسف مقطبا وهو يخرج هاتفه الشخصي من جيبه:

– الموبايل كان مع البيه، آه فعلا، معلهش ما انتبهتش (لم أنتبه) من المكالمة…

دوللي بهدوء:

– ولا يهمك، عموما أحنا نازلين أجازة قصيرة جدا، أسبوعين بالكتير، خالد معرفش ياخد أجازة أطول من كدا…

نهض يوسف ليشير اليها بالجلوس وهو يقول:

– معلهش يا دوللي اعذريني ما أخدتش بالي، اتفضلي ارتاحي..

هزت دوللي رأسها برفض قائلة:

– لا معلهش يا جو مش هينفع، خالد مستنيني (في انتظاري) تحت في العربية، بعد إذنك أنا عاوزة آخد طاهر معايا….

نظرت ندى الى يوسف بوجه شاحب وقد شعرت بيديها مثلجتين فيما قال يوسف وهو يرمق ندى بنظرة ترجو تفهمها:

– حقك طبعا يا دوللي….

بينما هتف طاهر بحنق طفولي:

– توتي دايا…

قالت دوللي بمهادنة:

– ماما ماوحشتكش (لم تفتقدها)؟.. أونكل خالد كمان هيتجنن عاوز يشوفك!!
ليشعر يوسف بغيرة الأب الطبيعية على ابنه فقال بهدوء:

– الباش مهندس مطلعش ليه؟.. عيب يفضل قاعد تحت في العربية..

دوللي باعتذار بسيط:

– لا مش مشكلة..

ثم وجهت باقي كلماتها الى طاهر:

– ها يا توتي، ياللا ندخل نجيب لك هدوم عشان تروح معايا…

نظرت ندى الى يوسف في توسل ورجاء فقال يوسف:

– دوللي، احنا كنّا رايحين زيارة مهمة حالا قبل ما تيجي، ووعدنا طاهر يروح معنا، الناس اللي رايحين لهم بيحبهم ويحبوه أوي، خليه ييجي معنا وبكرة ان شاء الله هجيبه الفندق عندك..

دوللي بخيبة أمل:

– لسّه هستنى لبكرة!!!!… طيب ممكن وانتوا مروّحين تفوّتوا علينا؟..

رمق يوسف ندى سريعا قبل أن يتنهد وهو يومئ برأسه قائلا:

– تمام يا دوللي..

******************************

طوال الطريق الى منزل أنور ولم تتحدث معه ندى بل اكتفت بالردود المقتضبة على سؤاله عن حالتها الصحية، وكان قد اقترح ما ان انصرفت دولي الغاء الذهاب الى أنور لتصمم هي على أنها بخير وأنها ترغب بالفعل في الذهاب الى رنا ورؤية يوسف الصغير، ليذعن صاغرا، وها هو الآن يستمع الى الحوار الطفولي الذي يجريه صغيره مع زوجته حيث جلس فوق ركبتيها ورفضت هي قطعيا ان يجلس طاهر فوق المقعد الخلفي ليبتسم وهو يسمعها وهي تبادله الحديث وكأنها طفلة في عمره ليهتف في نفسه أنه يحق لك الانجذاب اليها بل وأن يمتلك حبها قلبك بجنون، فهي تتعامل معك وكأنها صغيرة في نفس عمرك، ليقرّ بصحة المقولة “الابن.. سرّ أبيه”!!!!!!..

تبادل الجميع التهاني بقدوم يوسف الصغير، وانقضت السهرة وسط قفشات أنور المضحكة وتذمر نازلي من كثرة حمله لصغيره، وابتسامة سعادات الشاحبة وهي تشاهد بعينها فرحة أنور بوليده، وهي تحدث نفسها قائلة بأنها لم تكن تريد حرمان لؤي من فرحته بقدوم طفله ولكن يشاء القدر أنه في ذات اليوم الذي حدثته فيه لتطلب منه الحضور كي تخبره بأنها ستمنحه فرصة أخيرة لانقاذ زواجهما واعلامه بنبأ حملها تفاجأ بهاتفه مغلق طوال اليوم لتعلم من نازلي بعدها بأن لؤي قد سافر الى روما لقضاء بعض الاعمال وأنه يمنحها فرصة غيابه لتعيد التفكير بشأنهما فما أن يعود فسيعمل هو على حل هذا الأمر بطريقته الخاصة!!!!.. وأجابت سؤالها الصامت بأنه لم يحدثها هي أولا خوفا من رفضها الرد على مكالمته كدأبها معه، وثانيا لأنه لا يريد ممارسة الضغط عليها فسيترك لها فرصتها كاملة…

انفردت رنا بندى في غرفتها لترضع صغيرها، فحكت لها ندى ما حدث قبيل حضورهم، لتقول رنا بشفقة على حال صديقتها:

– يا حبيبتي يا ندى، طيب وبعدين؟..

ندى وهي تغالب دموعها:

– يوسف هيودِّيه ليها واحنا راجعين، الخوف مش هنا يا رنا، أنا مرعوبة من الكلمة اللي قالتها انها مش هتسيبه تاني أبدا!!!.

رنا بزفرة عميقة:

– ابنها يا ندى، وأكيد مش هتسيبه؟..

نظرت ندى الى رنا في صدمة وقالت بذهول:

– وأنا يا رنا؟!!!!

رنا محاولة تهدئتها:

– انتي يا حبيبتي كنتي بتعامليه يمكن زي مامته بالظبط وأكتر كمان، لكن متزعليش مني أنتي…..

لتهمس ندى بخواء وعينان لامعتان:

– مش أمه!!!.. صح يا رنا؟..

رنا بصبر:

– ندى حبيبتي الأم مهما كان أم، أنا لو يوسف بعد عني ولو دقايق ببيقى هتجنن، فما بالك هي بقه اللي كانت أم وأب سنتين بحالهم!!!.. ندى عاوزاكي تفكري بعقلك شوية وتكوني حقّانيّة، طاهر في سن محتاج فيه أمه، وهي كمان محتاجاه، وأنت أن شاء الله بكرة ربنا يرزقك بولاد و…..

هتفت ندى بصوت يغلِّفه رنة بكاء واضحة:

– مش ممكن هنسى طاهر، دا ابني البكري، أنتي لو بقه عندك بدل الطفل عشرة هتنسي يوسف؟..

أشارت رنا بالنفي فتابعت ندى ببكاء يقطع نياط القلوب:

– أنا كمان كدا، يمكن أنا مش أمه اللي ولدته، ولا اللي عاشت معه سنتين من عمره، لكن من لحظة ما أخدته في حضني وأنا حاسيت كأن ابني رجع لي تاني، زي ما يكون كان فيه حاجة كبيرة أوي ضايعه مني ولاقتيها في حضنه، طاهر لو بعد عني يا رنا معرفش هقدر أستحمل إزاي؟..

وارتمت بين أحضان رنا التي وضعت صغيرها فوق الفراش لتتلقفها بين ذراعيها تهدهدها وهي تخبرها بأن الأمور لم تُحسم بعد ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا!!!…

التزمت الصمت التام في طريق العودة وكان طاهر قد غرق في سبات عميق في حضنها، وكم سبق ويوسف ووعد دوللي فهو قد عرج على الفندق حيث تقيم وزوجها ليوقف السيارة ويترجّل منها، ثم يستدير ويفتح الباب المجاور لندى ليميل عليها متناولا طاهر من بين ذراعيها فقبّلته بعمق فوق جبهته مستنشقة عبيره بعمق، وعرض عليها أن ترافقه ولكنها رفضت، ليغيب لوهلة عاد بعدها خال اليدين لتعلم أن طاهر لم يعد فعليّا معها!!!..

دلفا الى منزلهما، نادى يوسف ندى والتي اتجهت الى غرفة النوم:

– حبيبتي أنتي هتنامي؟.. أعملك حاجة تشربيها الأول؟..

ندى بوجوم وهي تتابع سيرها:

– شكرا يا يوسف..

قطب يراقبها حيث وقفت أمام غرفتها للحظات قبل أن تغير اتجاهها الى الغرفة المقابلة لهما.. غرفة طاهر!!!..

فتحت الباب ووقفت على عتبته لينير الضوء القادم من الردهة الغرفة أمامها، فاتجهت حيث الفراش الصغير لترمي حقيبتها أرضا ثم تخلع حذائها قبل أن ترتمي فوقه وتتناول الرجل العنكبوت لعبته المفضّلة تحتضنها وهي تدفن رأسها في وسادته تشم رائحته العالقة في الوسادة مغمضة عينيها مرحبة بالنوم علّها حين تستيقظ تجد أن ما حدث ما هو إلا محض حلم سخيف!!!..

دلف يوسف اليها ليقف أمام الفراش لهنيهة يطل عليها قبل أن يميل فوقها يهمس لها:

– ندايا، قومي حبيبتي نامي في أودتنا!!!

ندى دون أن تفتح عينيها:

– روح انت يا يوسف، أنا هنام هنا…

فاعتدل يوسف واقفا زافرا بعمق، ليخلع سترته بعدها ويلقي بها جانبا وتبعها قميصه ليظل بقميصه الداخلي ذو الحمالات العريضة ويدنو منها ليرقد فوق الفراش خلفها ويمد ذراعيه يحيط خصرها ليلتصق ظهرها بعضلات صدره القوية، وسرعان ما استسلم كلاهما لمداعبات الكرى وكلا منهما يمني نفسه أنه سيجد طاهر فوق رأسهما يقوم بطقوسه الصباحية المعتادة في الفصل بينهما بغيرة ساذجة ونعت يوسف كالعادة بـ… “آبي”!!!..

صوت نهنهة مكتومة طرق سمعه ليفتح عينيه مستطلعا مصدر الصوت ليجد أنه لم يكن سوى ندى، فمال فوقها سائلا بقلق:

– ندى حبيبتي، مالك؟..

ندى بكلمات متقطعة وسط غصّات بكائها الحار:

– طا.. طاهر وحشـ.. وحشني أوي يا يوسف، أوووي..

ضمّها يوسف إليه هامسا وهو يربت على شعرها فيما انفجرت بالبكاء بصوت عال:

– هششش حبيبة قلبي، ما تعمليش في نفسك كدا، أنا ما استحملش أشوف دمعة واحدة نازلة من عينيكي يا حبيبتي، ولو على طاهر وعد مني أني آخدك لي بكرة الصبح ان شاء الله…

رفعت ندى رأسها من فوق كتف يوسف وهي تهتف ودموعها تغرق وجهها:

– لا!!!!!!

يوسف بحيرة:

– لا ليه يا ندايا؟..

ندى من وسط شهقات بكائها العنيف:

– لأني مش هقدر أستحمل أشوفه وهو بيبعد عنّي تاني، مش هقدر يا يوسف، ياخدوه قودامي وأسكت، ربنا العالم أنا مسكت نفسي ازاي واحنا عند الفندق.. أنا عارفة انها أمه وحقها لكن أنا حبيته أوي، أوي يا يوسف أوي…

ليحتويها بين ذراعيه وقد داهمتها نوبة بكاء أقوى من سابقتها وهمس مهدئا:

– هششش حبيبتي، طاهر ابنك يا ندايا، دا بيحبك أكتر مما بيحبني، وأنا متأكد أنه هو كمان دلوقتي قالب الدنيا لمامته، ماش وفتيش اتخض عليكي ازاي لما دوختي؟.. صحيح..

وأبعدها لينظر الى وجهها وتابع بحزم:

– احنا هنروح بكرة ان شاء الله الدكتور عشان نشوف موضوع الدوخة دي، دي مش أول مرة تحصل لك…

هزّت ندى رأسها ايجابا وهمست وقد أنهكها البكاء فأسندت رأسها الى كتفه:

– ربنا يسهّل…

ليسند بدورح وجنته الى شعرها ويحتويها بشدة بين أحضانه، لتستكين فوق صدره تستنشق رائحته الشبيهة برائحة ابنه الى حد بعيد!!!..

طلبت ندى من يوسف صباح اليوم التالي أن تذهب للبقاء مع رنا فترة الصباح فهي لا رغبة لها بالذهاب الى العمل، وكانت قد رفضت كلية فكرة الذهاب لرؤية طاهر فهي لا تضمن نفسها هذه المرة، ليتلقى يوسف اتصالا من دوللي بعد أن وصلا الى منزل أنور، أخبرته فيه أن طاهر لم يكفّ عن البكاء طوال الليل مطالبا بـ.. “دايا”.. فهو يريدها هي أن تقص عليه حدوتة قبل النوم، وأن تنام بجواره كما تفعل كل ليلة!!!!

ابتسمت ندى مغالبة دموعها فهي أبدا لا تريد حرمان أم من صغيرها، وان كان هناك من وجب عليه التضحية فهي هذا الشخص، حتى ينعم طاهر بحضن والدته الدافئ..

كانت ندى قد ذهبت الى والدتها لتقضي معها بعض الوقت وكان يوسف قد تركها واتجه الى الشركة فأنور قد قرر عدم العودة الى الشركة إلا بعد مرور شهر بالتمام والكمال على وادة يوسف ليتندر يوسف الكبير ساخرا:

– ايه شهر عسل جديد ولّا إيه؟..

نظر اليه أنور بنصف عين وقال:

– بقولك إيه… بلاش انت بالذات تفكرني بشهر العسل واللي حصل في شهر العسل، هو أنا شوفت منك شوية!!!!!!

جلست ندى تنظر أمامها بعينين لا تريان وقد شرد ذهنها الى البعيد بينما ارتسمت ابتسامة ناعمة حزينة على ثغرها الوردي، قالت أمها وهي تضع صينية عليها كوبا من القهوة المحلاة كما تحبها ابنتها ذات الرائحة القوية وبجانبها صحنا صغيرا به قطع من الكعك المنزلي وهي تقول:

– ياللا يا نادو، أنا عملت لك فنجان القهوة التركي المحوّج زي ما بتحبيه، والكيكة دي دوقيها وقوليلي رأيك فيها أيه أنا…..

كانت أمها قد جلست بجوارها حينما لاحظت امتعاض وجه ابنتها التي أسرعت بتكميم فمها بيدها وانطلقت تهرع الى الخارج لتركض أمها في إثرها وهي تنادي عليها بقلق محموم!!!!

دلفت ندى خارجا من الحمام وهي تجفف وجهها بالمنشفة بينما شحب وجهها تماما، كانت أمها تقف في انتظارها وحال رؤيتها لها هتفت بقلق عظيم:

– ندى… مالك يا حبيبتي؟. ايه اللي جرى؟..

ندى بضعف تام:

– مش عارفة يا ماما، بس أول ما ريحة القهوة جات في مناخيري نفسي قلبت على طول، أنتي مغيّرة البن؟..

لتشرق أسارير وجه والدتها وهي تهتف بفرحة:

– بتقولي إيه يا ندوش؟… ريحة القهوة قلبت لك بطنك؟…

أومأت ندى بنعم وهي تقطب بدهشة، فقالت أمها:

– طيب شوفي يا ندى هسألك كم سؤال كدا وتجاوبيني تمام؟..

لتردف تسألها عن موعد دورتها الشهرية لتكتشف ندى أن موعدها قد فات منذ أكثر من أسبوعين دون أن تنتبه!!!!!

ما أن أخبرت أمها بذلك حتى هتفت الأخيرة وهي تحتضنها بفرحة طاغية:

– يبقى حصل يا قلب ماما حصل!!!!

ندى بحيرة:

– حصل إيه يا ماما؟…

كريمة بحماس:

– أنتي حامل يا روح ماما، ولي العهد مشرّف جوة دلوقتي!!!

نظرت ندى في ذهول تام الى أمها قبل أن تردد وهي تنظر الى بطنها:

– يعني أنا.. حا.. حامل؟!!!!!!

أومأت كريمة ودموع الفرح تسيل على وجنتيها:

– ان شاء الله حبيبتي، أنا هاخدك دلوقتي ونطلع على أقرب مختبر نعمل تحليل وان شاء الله ربنا مش هيكسفنا..

لترتسم على شفتي ندى بسمة مترددة وتلمع عينيها بأمل أن يتحقق حلم حياتها في انجاب طفل يكون ثمرة حبها هي ويوسف…

ظهرت نتيجة التحليل ايجابية، لتعلو زغاريد سميرة في المنزل بينما يبارك عز لابنته التي تخضب وجهها خجلا، وما هو الا وقت بسيط حتى دلف يوسف الى المنزل بعد أن فتحت له سميرة الباب فألقى عليها التحية وهو يسألها عن ندى فقد قلق حين هاتفته حماته تأمره بالحضور سريعا!!!!!!

صعد الدرج الى الأعلى يطوي كل ثلاث درجات سوية حيث أخبرته سميرة بوجود ندى بغرفتها القديمة وكانت كريمة قد أصدرت فرمانها بوجوب التزام ندى بالراحة التامة!!!

دلف يوسف الى الداخل دون أن يطرق الباب فقد شلّه خوفه الشديد على حبيبته، ليفاجأ بها وهي ترقد فوق الفراش فاتجه اليها يجلس بجوارها وهو يهتف بخوف:

– ندى حبيبتي، مالك حاسة بإيه؟..

ندى بابتسامة صغيرة:

– ما فيش يا حبيبي، انت قلقان كدا ليه؟..

يوسف بحيرة:

– مامتك كلمتني و….

ليقاطعه صوت حماته وهي تدلف الى الداخل تحمل كوبا من عصير الطماطم الطازج وهي تقول:

– طبعا لازم أكلمك، م انت لازم تكون جنب مراتك وهي في حالتها دي!!

ندى باعتراض:

– ماما!!!

يوسف وهو يقلب نظراته بينهما في ريبة وحيرة:

– هو فيه إيه يا جماعة؟.. حد يطمني!!!

كريمة وهي تمد يدها إليه بكأس العصير:

– خد.. خلِّيها تشرب عصير الطماطم دا، الطماطم مليانه حديد، وأنا عارفة بنتي ضعيفة وأكيد عندها أنيميا شوف وشّها أبيض ازاي؟..

نظر يوسف الى ندى مرددا بذهول:

– أبيضّّّ

كريمة بتأكيد:

– آه، وبعدين اللي في حالتها لازم ياخد باله من نفسه كويس أوي..

يوسف بتوجس:

– حالتها؟!!! هو فيه ايه بالظبط؟

كريمة وهي تحمل الصينية الفارغة وتتجه للانصراف:

– مراتك مش مسئولة عن نفسها لوحدها، فيه حد تاني مسئول منها!!!!

وانصرفت تاركة يوسف يضرب أخماس في أسداس، فمدت ندى يدها تمسك بيده الموضوعة بجوارها وترفعها لتضعها فوق بطنها وتقول بابتسامة نابعة من قلبها فيما يطالعها هو بعدم تصديق لما يراه في عينيها:

– بعد 8 شهور هييجي يوسف الصغير ان شاء الله!!!!

حدق فيها يوسف للحظات بدون تعبير قبل أن يهمس بذهول:

– ندى انتي…

أومأت ودموع الفرح تترقرق في مقلتيها:

– أيوة يا حبيبي.. أنا حامل!!!!

مال عليها هامسا:

– وليه يوسف الصغير؟.. أنا عاوز ندى الصغيرة!!!

ليحتضنها مقبلا جبينها وهو يقول:

– مبروك يا قلب يوسف، ربنا يكمل فرحتنا بيه يارب..

رفعت ندى رأسها وقالت ليوسف برجاء:

– سعادتي مش هتكمل غير بطاهر، اوعدني يا يوسف تتكلم مع مامته تخلِّيه ييجي يقعد معنا على الاقل ست شهور، عشان خاطري يا يوسف..

يوسف بحب:

– عشان خاطرك انتي هعمل أي حاجة تقولي عليها، المهم خلِّي بالك انتي من نفسك يا أم العيال!!

ندى بخجل:

– حاضر يا أبو العيال!!!

*************************************

قاربت أجازة خالد على الانتهاء وأخبرت دولي يوسف برغبتها باصطحاب ابنها معها وبعد شد وجذب بينهما انتهت بموافقته على رغبتها بمضض فقد أخبرته أنها لن تستطيع ترك زوجها والسفر الى مصر في حين يستطيع هو ذلك، ليتم الاتفاق على أن يقضي طاهر العام مناصفة بينهما حتى يحين موعد دخوله الى المدرسة ووقتها سيكون هناك ترتيب آخر!!.. ولكن أكثر ما أثار قلق يوسف هو ردة فعل ندى على ذلك الخبر، وكانا قد اصطحبا طاهر معهما خلال هذه الفترة ليقضي معهما بعض الوقت، لتعود الى ندى اشراقتها ثانية… ولكن لم يحدث ما قلق يوسف بشأنه فالاتفاق قد أرضى ندى نوعا ما، ولقد أقنعت نفسها أن هذا أهون عليها من رحيله مع والدته نهائيا دون عودة!!!

رن جرس الهاتف في منزل يوسف والذي كان يتحضّر هو وندى للذهاب لقضاء هذا اليوم برفقة طاهر فسيسافر في فجر اليوم التالي، وقد قررا ألّا يتركانه إلا أمام سلّم الطائرة، ولكن.. ليتلقى المكالمة فيتغير وجهه لتسأله ندى في ريبة:

– فيه إيه يا يوسف؟..

يوسف بذهول:

– سعادات بتولّد!!!!!!!!!!

شهقت ندى عاليا وهي تهتف بصدمة:

– إيه؟.. دي في السابع!!!!!!!!!!!!!..

———————————————————

ما ان خرج من بوابة المطار حتى اسرع سائقه الخاص بمساعدته في الصعود الى السيارة، ليرن هاتفه الشخصي فقطب ما ان لاحظ اسم المتصل والذي لم يكن الا.. يوسف!!.. والذي هاتف شركته كي يساعدوه في الوصول اليه فعلم منهم انه سيعود الى الوطن اليوم، ليحالف يوسف الحظ ويكون في لحظتها قد عاد فعلا الى البلاد، ليتنفس الصعداء فأبوها قد ترجاه ليحاول الوصول الى زوجها!!

 تلقى لؤي المكالمة وما هي الا ثوان حتى كان يصرخ في سائق:

– اطلع على مستشفى(…..) بسرعة..

فضغط السائق على دواسة البنزين وانطلقت السيارة تنهب الارض أسفل منها حتى وصلا في زمن قياسي ليترجل سريعا كالصاروخ وينطلق الى الداخل سريعا كالقذيفة، واتجه من فوره الى موظف الاستعلامات ليستعلم عنها وما هي الا لحظات حتى كان يركض باتجاه الدرج ليطوي الطوابق الأربع التي تفصله عنها بوثبات واسعة، فهو لم يطق صبرا لانتظار المصعد، وما ان وصل الى الطابق المنشود حتى تلفت بلهفة شمالا ويمينا وتصنت قليلا  حيث سمع صوت  لا تخطئه أذناه، فسعادته قد ملأت الاجواء بصوتها الرنان!!

ما ان وصل اليها حتى أوقف السرير ذو العجلات الذي كانت ترقد فوقه بينما تعلو بطنها امامها ولكنه في خضم اهتمامه لسعادته لم ينتبه وهتف بلهفة وهو يميل عليها:

– سعادة.. حبيبتي، مالك؟.. يوسف كلمني في الموبايل قالي انك تعبانه وفي المستشفى، ما استنيتش اعرف ليه وجيت جري، مالك يا سعادتي؟..

صوت الطبيب قال بمهنية:

– ان شاء الله خير حضرتك متقلقش!!!

زفر لؤي وقال بسخط:

– ما اقلقش ازاي؟.. عاوزني أعرف ان مراتي دخلت المستشفى وأشوفها وهي نايمة على السرير المخيف دا وما أقلقش؟..  أنت غريب أوي..

بتر عبارته فجأة بعد أن لامس شيئا كبيرا يرتفع فوق جسد سعادته، ليتطلع الى بطنها العالية بذهول اليها هاتفا في صدمة:

– سعادة ايه دا؟..

 سعادات والتي كان الأالم قد أذهب بكل ما لديها من صبر فأجابت بسخط:

– دا انتفاخ !!!!

لؤي بريبة:

– انتي حامل يا سعادة؟..

سعاة ساخرة:

– لا ابدا مش حمل، دا أنا فضلة خيرك  أكلت كرنب وكتّرت(أكثرت) شوية فهو اللي عمل الهرم الرابع دا!!

ثم زفرت بنفاذ صبر مردفة الى الطبيب الواقف بتململ:

– ياللا يا ريّس خلّصنا مش فاضية انا!!!

ولكن منع لؤي الطبيب من التقدم خطوة واحدة قائلا بصلابة:

– استنى عندك يا كابتن؟..

تمتم الطبيب بذهول:

– كابتن.. وريّس!!! هما جايـبـِيـنها(أتوا بها) لميكانيكي في ورشة عشان يولّدها!!!!!..

 

 فيما تابع لؤي هادرا:

– حامل وتخبي عليا الفترة اللي فاتت دي كلها يا سعادة!!!

– سعادات بنزق وهي تضع يدها فوق بطنها علّ الألم يخف:

– انت اللي سيبتني وسافرت!!..

 كاد لؤي يشد شعر رأسه وهو يصرخ بغضب:

– وأنا سافرت ليه؟. مش عشان انتي اللي كنت رافضة تبصِّي في وشِّي؟.. مقدرتش(لم أستطع) افضل في نفس البلد اللي انتي فيها، التلات شهور اللي سافرتهم كان عشان شغل خلصته ورجعت..

سعادات بترفّع:

– طيّب اتفضل انت بقه عشان انا كمان عندي شغل!!

– لؤي ساخرا:

– ايه هتخْرِجي هنا كمان؟..

سعادات والالم قد عاودها بقوة:

– اه هخْرِجْ لك ابنك عندك مانع؟!!..  آآآآآآه….

 ليشحب وجه لؤي بقوة وهتف بقلق:

– سعادة حبيبتي…

رمقته بحقد هاتفة بغيظ من وسط تأوهاتها العالية:

– اشوف فيك يوم يا لؤي يا ابن دولت!!!…

 لتنظر اليها حماتها بذهول فيما ربتت ندى ورنا على كتفها وقد جلست رشا بجانبها فيما وقف حازم ويوسف وأنور غير بعيد وقد اتجه أبوها الى مصلى المشفى كي يصلي الى الله ويدعو لها، بينما وقفت أمها تقرأ ما تحفظه من آيات الذكر الحكيم في سرها، قال لؤي بيأس:

– مافيش فايدة في لسانك، عموما كله كان بموافقتك، ولّا هتنكري!!

وغمزها بمكر فنظرت اليه في بغض وقالت باشمئزاز:

– سافل!!!!..

 همّ بتأنيبها عندما تعالت صرخاتها ليقول الطبيب في سرعة:

–  مينفعشي كدا، دي على وشّ ولادة.. عن اذنك ..

وأشار لعاملي لتمريض بدفع السرير فصاحت سعادات عاليا:

– لؤي!!!.

أمسك لؤي بيدها فهتفت من بين دموعها:

– ما تسيبنيش!!..

 لؤي وهو يغالب دموعه:

– ابدا…

– سعادات بابتسامة من بين دموع الالم:

– بحبك!!..

 لؤي بابتسامة مماثلة:

– بموت فيكي…

شحبت ابتسامتها رويدا رويدا وانطلقت صرخة عالية قبيل دخولها غرفة الولادة ليدفع بها الممرضين وراء الباب في حين صمم لؤي على مرافقتها ليضرب الطبيب كفا بكف ولكن… لم يكن ليعترض فيكفيه نظرة الى وجه ذلك العاشق الثائر ليعلم ان اي اعتراض منه سيواجه وبقوة من الآخر!!..

***********************************************

بعد أن اطمئن يوسف وندى على ولادة سعادات وعلى المولودة والتي طمأنهم لطبيب أنها وعلى الرغم من أنها قد ولدت في نهاية الشهر السابع فإن صحتها بحالة جيدة وأن تم وضعها في غرفة العناية الخاصة بالأطفال المبتسرين حديثي الولادة، لتمتلئ غرفة سعادات بعائلتها وعائلة لؤي وأنور وندى، فاعتذر يوسف بعد أن بارك للؤي والذي شكر ليوسف اتصاله به، مع العلم بأنه كان قد قرر أنه سيذهب من المطار رأسا الى منزل أنَّا نازلي والتي أقنعتها رنا بصعوبة بعدم الذهاب الى المشفى مع سعادات وأنهم ما أن تلد فسيحضر أنور ليقلّها إليها على الفور..

اتجه يوسف وندى الى المطار وقد هبط الصمت بأجنحته عليهما، وما أن وصلا حتى أوقف يوسف سيارته في الموقف الخاص بالسيارات واتجها من فورهما الى صالة المغادرة حيث اشترى يوسف تذكرتي دخول، ليدلفا وهما يتلفتان حولهما بلهفة وكانت ندى أول من شاهد طاهر حيث كان قد عبر حاجز المسافرين مع والدته الى الناحية الاخرى الخاصة بالمسافرين فقط، وكان يقف بجانب أمه فيما وقف بجوارها رجل شاب وقد انخرطا في حديث هامس بينما اعتلى الوجوم وجه طاهر، لتنادي ندى عاليا وهي ترفع يدها ملوحة والدموع تنسكب من عينيها:

– توتي!!!!!!!!!!!!!!!!!!

انتبه يوسف ليهرع الى مكان وقوف ندى واستطاع رؤية طاهر ليشير اليه بيده ثم يضع اصبعيه في فمه مطلقا صفيرا كان يتبادله كثير معه وهو يصيح مناديا:

– طاهر!!!!!!!!!!!!!!

رفع طاه رأسه ما أن سمع صوت ندى يتلفت حوله ليطرق أذنه صوت يوسف فدقق النظر ليراهما أمامه فصرخ عاليا وهو يهمّ بالركض اليهما:

– داياااااااا، أوسف!!!!!!!!!!!!!

انتبهت دوللي الى صراخ ابنها لتنظر في الاتجاه الذي يسلط عينيه عليه، فمالت نحوه تحاول تهدئته بينما حمله خالد ليركل بقدميه الهواء وهو يصرخ بأنه يريد الذهاب الى “دايا” و”أوسف”…..

وتعالى النداء على الرحلة المغادرة الى “….”.. حيث ستقلع دوللي مع زوجها وابنها لتلوّح ندى بيدها بقوة ودموعها تركض تسابق بعضها وهي تهمس بدون وعي منها:

– ما حضنتوش، ما بوستوش، ما قولتلوش أنه هيوحشني!!!!!!!!!

و.. اختفى طاهر تماما عن ناظريها، فمد يوسف ذراعه يحيط بخصر ندى والتفتا ليغادرا المكان وهمس لها بوعد منه:

– ليكي عليا أول ما تقومي بالسلامة ناخد ولي العهد ونسافر له عشان يشوفه!!!

 

لم يكونا قد ابتعدا خطوتين حين تصاعد صوت قريب منهما يصيح عاليا:

– داياااااااااااااااااااااااا…..

تسمرت ندى في مكانها تفتح عينيها واسعا في ذهول، قبل أن تلتفت ببطء هي ويوسف ليفاجآ بوقوف طاهر على بعد خطوات منهما وهو يفتح ذراعيه واسعا يهتف فيما ابتسامته العريضة تحتل وجهه الباكي:

– دايا بيبتي توتي!!!!!!!!

لم يكد ينهي عبارته حتى كانت ندى قد ركضت اليه غير آبهة بحالته الصحية وحملها، لترفعه بين ذراعيها عاليا تقبل وجهه ويديه وتعود فتحتضنه مستنشقة رائحته التي كادت تموت شوقا اليها، بينما وقف يوسف يحتضنهما سوية وهو يشكر الله في داخله، لينتبه الى وقوف دوللي خلف الحاجز بجانب خالد زوجها والتي قالت لندى:

– خلِّي بالك منه، دا بيحبك أووي، يمكن أكتر منِّي، كان هيموّت نفسه من العياط عشانك انتي بالذات، وأنا هاجيلك تاني يا توتي، وأنا واثقة ومتأكدة أنك بتحبيه وأوي كمان!!
ندى بصدق:

– دا حياتي!!!!

لمس خالد ظهر دوللي معربا عن اضطرارهما للحاق برحلتهما لتلوّح الأخيرة للمرة الأخيرة الى ابنها قبل أن تنصرف، فيما مال طاهر مقبلا وجنة ندى وهو يهتف بظفر:

– دايا بيبتي توتي!!!
ندى وهي تقبله بقوة:

– توتي بيتي دايا!!

يوسف بسخط مفتعل:

– وأنا إيه أن شاء الله؟..

طاهر ببساطة وكأنه قد فهم معنى سؤاله:

– آبي!!!!!!!!!!!!

***********************************

– يا بنتي أنا عاوز أعرف فيّا إيه بس؟..

ندى باشمئزاز:

– معرفش يا يوسف، ريحتك مش حلوة، البارفان اللي انت بتحطه دا تقيل أوي، أنت ذوقك بقه وحش كدا ليه في البرفانات؟…

يوسف بنصف عين:

– ذوقي وحش؟… عشان بس تعرفي انك بتلككي البيه اللي انتي نايمة في حضنه دا بئالك مدة بيحط نفس بارفاني، البيه بياخده من ورايا ويغرّق نفسه بيه، ايش معنى بقه طايقة تنامي جنبه هو وأنا لأ؟!!!
ووضع يديه في منتصف خاصرته، لتقول ندى وهي تضم طاهر اليها والذي طالع يوسف باستفزاز واضح لينظر اليه الآخر بقهر شديد:

– معرفش، انما ريحته على توتي غيرك خالص، عليه هو بموت فيها، انما عليك أنت… بموت منها!!!!!!!!!!!

رفع يوسف رأسه الى الأعلى وهو يصيح متباكيًّا:

– صبرني يارب….

 

——————————————

عضت بأسنانها السفلى على شفتها وهي تروح وتجئ في المكان، محاولة مقاومة الألم ولكنها شعرت ألا فائدة من محاولاتها، لتقوم بتبديل ثيابها بصعوبة بينما تحاول الاتصال بيوسف الذي كان في اجتماع طارئ واضعا هاتفه على الصامت، فتنفست بعمق، وحملت حقيبتها التي جهزتها لأغراض المولود وأمسكت بيد طاهر لتهبط الى الآسفل حيث نادت على أبو سعادات وأخبرته وهي تحاول التماسك بأن يدع طاهر لديهم، ولكن الرجل فهم حالتها ليسارع بنداء زوجته والتي حضرت من فورها، لتأمر ابنتها بالانتباه الى طاهر، ثم أسرعت بمرافقة زوجها الى المشفى فندى على وشك الوضع فعليًّا خاصة وقد سألتها سرّا عن فترات تكرر الألم فأخبرتها أنه لا يكمل عشر دقائق الا ويعاودها وبقوة!!!!

هرع يوسف برفقة أنور الى الداخل والذي كان قد لاحظ مكالمات ندى الفائتة ليتصل على هاتفها فأجابه أبو سعادات بأنهم بالمشفى وأعطاه العنوان وأن ندى قد تركت لديه هاتفها تحسّبا لاتصاله!!

اتجه يوسف من فوره حيث يقف أبو سعادات وكان أنور قد أخبر رنا بأن تقوم بأخذ طاهر لديهم، فيما لحق بهما كريمة وعز، ووقف الجميع في الخارج في انتظار خروج الطبيب حيث أخبرهم أبو سعادات أن الطبيب قد أخبرهم أنها في حالة وضع وتم ادخالها حيث غرفة الولادة مباشرة….

خرج الطبيب ليتجمعوا حوله فسأل بهدوء:

– مين جوزها؟..

يوسف بلهفة:

– أنا يا دكتور..

الطبيب بمهنية:

– حضرتك الولادة عسيرة، عاوزينك تمضي لنا على موافقة اننا نولّدها قيصرية..

شهقت أمها خوفا في حين هدر يوسف:

– يعني إيه متعسّرة؟… الدكتورة اللي بتتابع معها قالت لها انها هتولد طبيعي؟..

الطبيب بغرور:

– يبقى حضرتك توديها للدكتورة بتاعتها، جايبها لنا ليه؟..

في أقل من لمح البصر كان يوسف قد انقض على مقدمة معطف الطبيب يقبض عليها بشدة وهو يهتف فيه بغضب ناري:

– تأكد لو كنت موجود ما كنتش هخليها تخطِّي رجليها هنا، ودلوقتي قسما بالله لو مرات يرجى لها حاجة المستشفى بتاعتكم دي كلها باللي فيها ممرضين ودكاترة ما تكفيني..

حاول الطبيب الفكاك من قبضته وهو يصيح:

– انت اتجننت؟.. يا أمن، يا أمن…

بينما وقفت في الزاوية عاملتي تمريض مالت احداهما على الآخرى:

– شوفتي يا بت يا ثريا يُمهل ولا يُهمل، الدكتور نبيل لاقى اللي يقدر يقف قصاده، خلّيه ياخد بتار كل الغلابة اللي سفحهم، ويولّد الست من دول قيصرية يا ولداه عشان ياخد دم قلبهم، أهو ربك سلّط عليه من لا يرحم أهو…

المدعوة ثريا:

– تصدقي يا بت يا فرحة معاكي حق، أنا لسه فاكرة الست اللي ولدها من سنة ووطت أمها على رجله تبوسها انها مش معها فلوس وجوزها مسافر، قالها يا تولد يا تروحي بيها في أي مكان، واضطرت الست توافق، وباعت حتة الحلق اللي حيلتها وولاد الحلال في ساعة زمن كانوا جوم ومعهم باقي الفلوس، بس يا ولداه الدكتور المحترم نسي فوطة في بطنها، راحت يا يعني بعدها بكم يوم في شربة ماية، والمدير عشان واخد بنته ردموا على الموضوع، ربنا يجعل نهايتك على ايدين الجدع دا يارب….

 

في حين كان يوسف يصرخ عاليا أنه سيدخل الى امرأته، حين قاطعهما صوتا أنثويا ناعما وفي بضع كلمات علمت الطبيبة التي سارعت ثريا بالاستعانة بها فهذه الطبيبة لا تزال حديثة العهد بالمشفى ولكنها تعلم تاريخه الأسود كما يعلمه الآخرون ولكن لقرابته بالمدير لا يستطيع أحدهم أن يعترض على أفعاله، ولكن هذه الطبيبة فمشهود لها بالجدية التامة كما أنها تراعي ضميرها المهني والانساني..

قالت الطبيبة بهدوء:

– متقلقش حضرتك – موجهة كلماتها ليوسف – أنا هدخل أشوف المدام وان شاء الله خير.

ليعترض نبيل طريقها رافضا فما كان من يوسف إلا ان لكمه لكمة قوية رمته بعيدا عدة أمتار وهدده يصرخ:

– قسما بالله لو قمت من مكانك لأخليك عبرة لمن لا يعتبر!!!!!
ليتم تحديد اقامة الطبيب متربعا في الزاوية!!!..

 

بعد ساعة تقريبا تنامى الى سمعهم صوت صراخ لصغير، فابتسم يوسف وهو يهتف بقلق وسعادة:

– ولدت؟.. ندى ولدت!!!!

لتدلف الممرضة خارجا وهي تحمل لفة بين يديها، فتناولها يوسف منها وهو يميل يقبّل وجنتها الحمراء المجعدة، وكانت مغمضة العينين، وما أن شعرت بملمس ذقنه الخشنة حتى فتحت عينيها على وسعهما تطالع بلونهما الغريب الذي ورثته عن أمها وجه أبيها، ليعلم يوسف ساعتها أنه قد سقط صريعا في هوى ابنته من نظرة عينيها تماما كما صرعته أمها سابقا!!!!!!!..

***************************************

أوقف السيارة بعد أن ضغط على المكابح بشدة فأصدرت صريرا عال لفت أنظار الطلبة المنتشرين في باحة الجامعة، ليترجل خارج سيارته الرياضية بلونها الغريب ألا وهو لون العسل الذهبي، وكان قد طلبه خصيصا من الخارج!…. وقف لهنيهة ينظر هنا وهناك قبل أن يحدد هدفه ويتجه من فوره إليه أو…… إليها!!!!!!!

زفرت بغضب وهي تسير بجواره رغما عنها فذلك المجنون هددها إن لم تنصاع له وترافقه فسيشدها رغما عنها ولو أدّى به الأمر لحملها فسيفعل!!!!

هتفت فيه بسخط وهي تنظر اليه في حين كان قد انطلق بسرعة عالية كعادته دائما:

– 100 مرة أقولك بلاش شغل البلطجة والتهديد دا، أنا ما بتهددتش!!!

نظر اليها من خلف نظارته الشمسية وقال بتفكّه:

– وأنا ما بتعاندش!!!… و100 مرة قلت لك وقوف مع زمايلك ممنوع، كدا ولا لأ؟!!!!

هتفت بحنق:

– هو أنا كنت بضحك ولا بتمسخر؟.. أحنا واقفين بنتكلم في مشروع التخرج، ثم… انت مالك أساسا؟.. لا أنت بابا لؤي ولا زياد أخويا، يبقى ليه بقه؟..

نزع النظارة من فوق عينيه ونظر اليها قائلا بابتسامته الواسعة:

– ابن جدك!!!!
كشرت مكررة في استنكار:

– نعم؟.. جدي؟.. جدي مين ان شاء الله؟..

أعاد لبس النظارة مرة أخرى وهو يجيب ببساطة:

– يوسف!!!.. جدك يوسف!!!

هتفت فيه بتهديد:

– طاهر… بلاش حركاتك دي!!

ليلق ياليها بنظرة سريعة يتابع بعدها ببساطة مقلدا طريقتها:

– نازلي.. بلاش كلامك دا!!!

لتمتم بينها وبين نفسها بصوت مسموع لغيرها ولكنه أبدا لا تنتبه لذلك (قانون الوراثة في الغالب):

– بني آدم مستفز!!.. فرحان لي اوي ببدلة الطيران اللي لابسها!!

طاهر ببراءة زائفة:

– بتقولي حاجة يا زوزو؟…

هدرت فيه:

– مين زوزو دي ان شاء الله؟..

طاهر ببديهية:

– بدلّعك، ايه حرام؟..

نظرت اليه نازلي بنصف عين وقالت:

– امممممم، لا براحتك يا…. توتي!!!!!!!!!!!!

ليضغط على المكابح بقوة حتى كادت رأسها ان ترتطم بالزجاج الأمامي وهمس لها بتحذير وقد فارقه مزاجه الساخر:

– عارفة لو قلتي الاسم دا قودام حد هعمل فيكي إيه؟..

نازلي بتبرّم:

– حد ولا حداية؟!!!
طاهر وقد استعاد مزاجه العابث:

– أي صنف منهم، حد حداية، ما اسمعش الاسم دا منك!!

نازلي وهي تحدجه بغيظ:

– لا وانت حدَّاياتك كتير!!!!!!!!

 

 

تجمع الرجال في غرفة الجلوس في المزرعة لدى حازم حيث اشترى المزرعة المجاورة لحماه بعد أن كد واجتهد كثيرا، وكانوا يحتسون الشاي ويتابعون أحدى مباريات كرة القدم المفضلة لديهم، فيما تجمعن زوجاتهن في غرفة الجلوس أمام التلفاز، قالت سعادات:

– هما ماهينار وروان وملك ما جوش ليه يا أبلة ندى؟..

ندى بابتسامة:

– ماهينار عندها رحلة من الكلية وانتى عارفة يوسف بيرفض وطاهر طبعا معه، فاقترحت انه اخواتها يطلعوا معها…

كان ياسر ابن حازم ورشا قد دلف وقتها ليسمع آخر عباراتها فقال بابتسامة:

– ويا ترى سافروا فين على كدا؟

ندى بتلقائية:

– العين السخنة…

لتعلو تقطيبة بين حاجبي ياسر سرعان ما تعمقت وندى تذكر اسم القرية الساحلية، فذلك المكان ملك لـ.. ماهر الزيني!!… ليقسم بداخله أنه لن يسكت هذه المرة وماهينار لا بد لها أن تعلم أنه لن يدع هذا الأمر يمر مرور الكرام، بل وسيضمن أنها لن تحاول حتى اعادة الكرة ثانية!!!!!!!!..

دلفت وهي ترغي وتزبد وفي اعقابها طاهر لتلقي بالتحية الى ابيها واعمامها ثم تتجه الى النساء حيث ألقت التحية عليهن وسلّمت على امها والتي ما ان شاهدتها حتى قبلتهاثم اتجهت نازلي بعدها للسلام على رنا فيما مالت رشا على سعادات تقول:

– فاكرة يوم ما ولدتيها؟..

زفرت سعادات وقالت:

– ودا يوم يتنسي؟..احلى حاجة انه اخوكي لما فوقت من البنج اول كلمة قالها لي “بقه بتخبي عليا يا سعادة انك حامل؟.. طيب اتحملي بقه نتيجة غلطتك”.. أحاول أقوله أني كنت نويت أقوله لما هو سافر أبدا، ونفذ عقابه!!!

رمقتها رشا بضحك لتتابع سعادات بغيظ:

– حملت بعد ما نازلي تمت تلات شهور على طول، ولولا اني تعتب جدا في ولادة زياد كان هيصمم يكمل فريق الكورة اللي هددني بيه!!!…

رشا بابتسامة:

– بس انتي طلعتي جدعة انك سميتي على اسم أنـّا نازلي..

سعادات بضيق:

– اسكتي يا رشا، انا عارفة أنا كانت دماغي فين؟.. كنت تحت تأثير البنج أكيد!!!!!.. سعادات وتخلّف نازلي، على رأي سهير البابلي “رشا ازاي وتجيب عبد العال؟”…

وقف يرسم بالقلم الرصاص على كراس خاص بالرسم، بينما عيناه تتبعانها وهي تسير بين الزهور وكأنها واحدة منهم، بخصلاتها العسلية وعينيها بزرقة السماء التي ورثتها من أمها.. أنها “تولين”… ابنة عمته رشا!!!..

انتبه على ضربة خفيفة على كتفه وصوت رجولي ضاحك يقول:

– عينك يا عم زياد..

نظر الى يوسف الضاحك وقال:

– ايه يا عم جو، عيني في الي برسمه!!

حاول يوسف التلصص وهو يهتف ضاحكا:

– وريني كدا!!!

ولكن زياد أحبط محاولاته ليتعالى صوت آخر ينادي:

– تعالى يا طاهر شلة الأنس هنا…..

ليقبل طاهر ويدلف بصحبة عامر شقيق يوسف والذي أردف يهتف عاليا:

– بطلوا خناق، انتوا كبرتوا على كدا!!!

أقبل ياسر وهو يقول:

– صوتكم جايب لآخر المزرعة…

سأل يوسف طاهر:

– أومال أخواتك فين؟..

طاهر ببساطة:

– ماهينار عندها رحلة وانا وبابا طبعا رفضنا فماما اقترحت ان ملك وروان يسافروا معها..

يوسف بغموض:

– هي روان سافرت؟..

ياسر بالايجاب:

– أها…

فقال يوسف ينفض الافكار عن رأسه حاليا:

– طيب تعالوا نلعب كونكان….

وانخرط الشباب في لعب الورق..

*******************************

كان يقف يسمع أغنية عبد الحليم حافظ “قارئة الفنجان”… حينما شاهدته يقف في الشرفة الخلفية فاتجهت اليه لتربت على ظهره برفق قائلة:

– مين دي اللي في حياتك وهتخلي سمائك ممطرة؟..

التفت يوسف اليها ليضمها بين ذراعيه ويقول:

– عيناها سبحان المعبود، فمها مرسوم كالعنقود، ضحكتها أنغام وورود، والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا، قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا”….

ندى بابتسامة ناعمة وهي تمسد بأناملها خصلات شعره التي اختلطت بلون الفضة لتزيده وسامة ووقار:

– همممم.. مش كملت الاغنية ليه؟…

يوسف بعشق سرمدي لم يخبو على مدار السنين:

– لأني خلاص، حطمت الحصن المرصود، وأنقذت حبيبتي وأصبحت سمائي صافية وامتلكتها بين ايديا.. لكن أنا بتفق معه في آخر الأغنية..

ندى بحب:

– اللي هيا؟..

يوسف وهو يحتويها بحنان:

– الحب سيبقى يا ولدي.. أحلى الأفكار!!!!!!!

ليميل عليها لاثما ثغرها بينما ذراعيه تضمانها أقرب وأقرب اليه وهو يتنفس أنفاسها هي، فيكفيه وجودها قريبا من قلبه يتنشق عبير رائحتها ليشعر بأنه لا يزال شابا تماما كما رآها أول مرة وسحرته بعينين…. سبحان المعبود!!..

                         – تمت بحمد الله –


 

 

 

 

شاهد أيضاً

قصه انتحار الكاتبة Aisha Mohamed

  “إنتحار” “خاص بالمسابقة” جلست قليلٱ علي مقربة من شرفتها، سرق عينيها ضوء القمر،أخذت تتأمل …

اترك رد

error: Content is protected !!