الرئيسية / روايات / قارئة الفنجان الفصل 44 بقلمي/ منى لطفي (احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان الفصل 44 بقلمي/ منى لطفي (احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان

الفصل (44)

بقلمي/احكي ياشهرزاد(منى لطفي)

هرعت الخادمة لتفتح الباب فيما لحقتها نازلي وهي تتوعد هذا الطارق المجنون والذي يكاد يهدم البيت فوق رؤوسهم من قوة ضرباته للباب، وما أن شرعت الخادمة الباب حتى انطلق يوسف كالقذيفة وهو يزأر بشراسة فيما يتلفت هنا وهناك بلهفة محمومة:

– فين.. ها؟.. راح فين؟..

ليعلو صوت نازلي وهي تهتف بحدة آمرة:

– سوس(هس= اصمت) أدب سيس خرسيس!!.. أنتي ازاي اضربي باب بالشكل دا؟.. اتجننتي يوسف؟..

يوسف بنفاذ صبر واضح:

– يا أنـّا مش وقته دلوقتي، المهم البيه راح فين؟..

قطبت نازلي مكررة بعدم فهم:

– بيك!!.. مين بيك؟!!
يوسف بسخط:

– لؤي بيه، انا شايفه دخل من دقايق بس، ما استناش أول ما عرفنا من أنور أنه سعادات عندك طار زي الريح بعد ما ندى قالت له العنوان!!!

نازلي بحنق واضح:

– أنور كلبة دي قالت على مكان سعادات؟..

يوسف بقلة صبر:

– يا أنـّا هيكون راح فين أنا شايفه دخل قبلي من شوية!!!

نازلي بتفكير:

– أنا مش شوفت….

لتبتر عبارتها وقد انتبهت لعدم قدوم سعادات إثر جلبة يوسف الكبيرة مما أثار الريبة في نفسها ليشحب وجهها وهي تتمتم:

– أمان ربي أمان…

ثم اتجهت الى غرفة الجلوس حيث تركت سعادات فيها منذ قليل، وما أن فتحت الباب حتى أبصرت لؤي يجلس بجوار سعادات الراقدة فوق الاريكة العريضة يملّس على شعراتها، لتخطو بخطوات سريعة حسب ما سمح لها به سنّها وهي تصيح بغضب:

– انتي كلبة خنزاؤورة.. شيلي ايدك!!!!
وفي غضون لحظات كان يوسف قد لحق بها فيما وقفت الخادمة عن بعد تراقب ما يجري أمامها بترقب وشغف!!… تقدم يوسف من مكان جلوس لؤي وهو يزأر بعنف:

– مين سمح لك انك تدخل هنا؟.. عملت فيهلا ايه خلّاها وقع من طولها؟..

نهض لؤي ببطء كي لا يزعج سعادته ووقف أمام يوسف ببرود قائلا ببساطة:

– أنا جوزها، وطبيعي أنا موجود في المكان اللي فيه مراتي، أما بقه ليه أغمي عليها فأعتقد من فرحتها أنها شافتني!!!!

انقض يوسف عليه يقبض على تلابيبه وهو يهتف بشراسة مخيفة:

– أنا سبق وقلت لك قبل كدا نجوم السما أقرب لك منها، الراجل اللي يعمل في مراته زي ما أنت عملت ما يستاهلش ضوفرها…

حاول لؤي تخليص نفسه من قبضته وهو يقول ببرود مغيظ:

– وانت مين عشان تبعد مراتي عني؟.. واللي بيني وبينها يهمنا احنا وبس…

نازلي بغضب:

– سوس أنتي وهي، انتو فين هنا؟.. بيت أنـّا نازلي مش فيه صوت عالي، احترامات مكان.. احترامات حظرتونا… فالاد يوسف.. سيب لؤيات!!

نظر يوسف الى لؤي بغيظ وغضب قبل أن يفك قبضته عنه بقوة كاد تسقطه ولكن الأخير استطاع تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة فيما انتابته نوبة سعال قوية فيديّ يوسف كانتا تضغطان وبشدة على عنقه، ليهدر يوسف ناظرا الى لؤي بشراسة:

– اتفضل اخرج من هنا، ويا ريت لو تحرمنا من طلّتك البهية دي..

لؤي وهو يلتقط أنفاسه المختنقة بصعوبة:

– على جثتي يا يوسف أني أتحرك خطوة واحدة من غير مراتي، ومش هسمح لأي حد أنه يتدخّل بيننا…

صوت أنين ضعيف قاطع شجارهما ليلتفت أليها لؤي هاتفا بلهفة:

– سعادة…

ثم قطع المسافة الفاصلة بينهما في خطوات سريعة بينما تبعه يوسف يهتف بقلق واضح:

– سعادات…

حاولت سعادات الجلوس لتفاجأ بلؤي وهو يساندها فرمقته ببرود وحاولت الابتعاد عنه ليضغط بيديه فوق كتفيها وهو يقابل نظراتها بأخرى مصممة و…. نادمة!!… قطع صوت يوسف الواقف بجوارها حرب النظرات التي دارت بينهما وهو يتساءل باهتمام:

– مالك يا سعادات؟.. حاسّة بإيه؟…

سعادات بصوت ضعيف وابتسامة واهنة:

– أبدا يا جو، شوية تعب وهيروحوا لحالهم..

لؤي بقلق واضح وهو يعقد جبينه:

– أحنا لازم نروح المستشفى..

قاطعته سعادات بحزم وان شاب صوتها الضعف:

– لأ!!!!!.. مالوش لزوم، أنا كويسة…

لؤي بإلحاح كبير:

– أيوة بس انتي وقعتي من طولك، نكشف نشوف…

لتقاطعه نازلي هذه المرة وهي تجلس بجوار سعادات من الجهة الأخرى قائلة بحزم:

– سعادات إِيمْ (كويّسة = جيدة)، هو أكل يوك، نوم يوك، عشان كدا وقع، لكن أكل إِيمْ، نوم إِيمْ، صحة كمان إِيمْ!!!!!

نظر لؤي الى سعادات وقد احتوت قبضته يديها بقوة حانية فيما طالعتها عيناه بلهفة محمومة:

– وأنا أخيرا لاقيتها، ومش هسيبها تبعد عن عيني لحظة واحدة، أكلها ونومها وكل حاجتها أنا بنفسي اللي هاخد بالي منهم!!!!

حاولت سعادات نزع يديها من بين راحتيه متجاهلة الدفء الذي شاع في أوصالها نتيجة قبضته الحانية هاتفة بحدة:

– أنت مالكش دعوة بيّا خالص، من آخر مرة شوفتك فيها وأنت فقدت أي حق ليك عندي…

لؤي باصرار وهو يشدد من امساكه ليديها:

– لا يا سعادة… أنا ليّا حق وحق كبير أوي، أنا جوزك، وهثبت لك أني ندمان على كل اللي عملته في حقك، لكن المهم دلوقتي أني أطمن عليكي!
كان يوسف قد فقد صبره ليهتف فيه معنفا:

– انت هتتنحنح لنا يا أخويا؟.. خلاص اللي بينكم انتهينا منه، وش فاضل بس غير ننا نحط له كلمة النهاية ورسمي…

لم يبدر عن لؤي أي كلمة بعد انفجار يوسف، ليرفع يدي سعادات يقبل ظاهرهما برقة قبل أن يدعهما ثم ينهض من مكانه الى جوارها ليعتدل واقفا ويلتفت يواجه يوسف الذي كان يطالعه بغيظ وحقد واضح، تحدث لؤي قائلا ببرود:

– فيه حاجة من زمان كان نفسي أعملها بصراحة، وكانت بتزيد جوايا كل ما أشوفك جنبها وأشوف بتتعامل معاك إزاي، حتى من أول مرة عرفتك فيها، وشوفتها وهي بتتصرف معاك بسلاسة وعينيها بتضحك لك، احساس بالغيظ كان بيكبر جوايا، ودلوقتي الحاجة دي مش قادر أتجاهلها أكتر من كدا… ولازم أعملها!!!
يوسف ساخرا:

– حاجة أيه دي ان شاء الله؟…

لؤي بنظرات غامضة أثارت الريبة في نفس سعادات التي قطبت في توجس فيما تبادلت النظرات المرتابة مع نازلي:

– دي!!!!!!!!!!

وانطلقت يده في لكمة قوية لتصيب وجه يوسف مباشرة، فصرخت سعادات هلعا وهي تهتف باسمه “يوسف”.. ولكن الأخير لم يكن بطلا سابقا في رياضة الملاكمة من فراغ، إذ وفي لمح البصر كانت ذراعه قد امتدت لتصد لكمة لؤي وباغته هو بلكمة مضادة قوية كادت تطيح به عن قدميه لولا بنية الأخير القوية، والذي سرعان ما اعتدل واقفا وقبض يده متأهبا لتوجيه لكمة ثانية ليوسف عندما صدح صوت نازلي بحدة فيما وقفت بجانبها سعادات:

– سوس!!!!!!!!!!!!!!..

ثم اقتربت منهما فيما وقفا قبالة بعضهما البعض يلهثان ويتبادلان نظرات الغيظ والكره، لتردف نازلي بغضب:

– أدب سيس خرسيس!!!.. انتو فين هنا؟… منزل نازلي هانم يحصل فيه خناقات، ومضاربات!!!!!!!!!!!

يوسف بخشونة وهو يشير الى لؤي الذي يبادله النظر بتحد سافر:

– هو اللي بدأ بالغلط يا أنـّا، ومش من دلوقتي، لا… من ساعة ما سمح لنفسه أنه يشك في مراته ويرميها برّه ويعايرها بأهلها….

صرخ لؤي بشراسة وعروقه تنتفض في عنقه:

– غلطت!!!!!.. دورت عليها زي المجنون عشان تسامحني، اعترفت بغلطتي ليك وقلت لك الحقيقة لا زيّفت ولا جمّلت، ما بررتش (لم أبرر) لنفسي حاجة، ومستعد أعمل أي حاجة في سبيل أنها تسامحني.. إلا حاجة واحدة بس…

سكت لهنيهة أكمل بعدها وعيناه تومضان بعزم:

– أني أبعد عنها…

تقدمت سعادات تقف أمامه تطالعه بدون تعبير قبل أن تقول بجمود:

– مين قال أنك هتبعد يا لؤي بيه؟..

قطب يطالعها بتشكك في حين واصلت بابتسامة ساخرة صغيرة والمرارة تقطر من أحرفها:

– أنت هتطلقني!!!!!!!!!!!!

هدر بوحشية، تماما كالنمر حين يرى بندقية الصياد وهي تستعد لقنص روحه فيزأر مكشرا عن أنيابه فهو يحارب في سبيل البقاء حياًّ وما تطلبه منه يعني موته وأن ظلّ حيًّا:

– على جثتي!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

خطا يوسف بجوار سعادات موجها كلامه لها ليقول بصرامة فيما عيناه مسلطتان على ذلك النمر الثائر أمامه:

– ما تقلقيش يا سعادات، البيه هيطلقك ورجله فوق رقبته، ولو رفض…. – هز كتفه بلا مبالاة متابعا ببساطة أثارت حنق لؤي – نخلعه!!!!!!!!!!!!!!!…

طالعت سعادات لؤي بتحد فيما اقترب منها الأخير متجاهلا يوسف الذي وقف يراقب دنوه بنظرات حذرة، ليقف أمامها يطالعها بدون صوت لثوان فبادلته النظرات بأخرى ثابتة لا تتزعزع فتحدث مركزا نظراته عليها مشددا على مخارج حروفه:

– يبقى ساعتها ما تلومنيش على اللي هعمله!!!!!

هتف يوسف وهو يستعد للهجوم عليه:

– انت بتهددها قودامي؟!!!!!!!

صوت قوي صاح فيه أوقف يده التي أوشكت على صفع لؤي :

– جو!!!!!!!!!!!!!!!!!

ليركض أنور تجاه يوسف يمسك بيده يحاول جذبه بعيدا وهو يواصل:

– تعالى يا جو…

يوسف وهو يحاول الفكاك من قبضة أنور:

– سيبني يا أنور، خليني أعرّفه مقامه…

أجابه صوت رجولي طغت عليه خيبة الأمل:

– بلاش يا بني..

قطب يوسف والتفت لمصدر الصوت ليقول بذهول:

– عم أبو سعادات!!!!

خطى أبو سعادات بخطوات متعبة الى الداخل وعيناه مسلطتان على ابنته التي وقفت وقد شحب وجهها تطالعه بعينين واسعتين يختلط في نظراتهما الأسف بالرجاء، ليقول:

– أيوة يا بني، جوزها مغلطش (لم يخطأ) بنتي أنا اللي غلطت وخليتني أنكّس راسي لما أخدت في وشّها وتاهت في بيوت الناس وما ردعتش بيت أبوها زي ما أي واحدة بتغضب من جوزها!!!
هتفت سعادات وهي تهرع ناحية والدها والدموع تهدد بالانفجار من مآقيها:

– لا يا أبو سعادات، ما تقولش كدا….

وانحنت على يده تقبلها ولكنه سحبها بقوة وقال يطالعها بغضب ممتزج بدموع الخيبة:

– لما ترفضي ترجعي بيت أبوكي، وتقعدي في بيوت الناس يبقى ليه يا أستاذة؟.. إيه.. خلاص، ما بئيناش (لم نصبح) قد المقام؟.. كبرتي علينا عشانك اتجوزتي واحد غني ومن عيلة كبيرة!!!!!!!
سعادات وقد انفرطت دموعها تغرق وجهها فيما تهتف في صدمة:

– أنا يا أبو سعادات؟.. لا عشت ولا كنت يوم ما دا يحصل، أنت جزمتك أنا وأمي وأخواتي فوق راسي من فوق، أنا كبيرة بيكم أنتم، وبتباهى بيك وبتربيتك يا أبو سعادات!!!
أبو سعادات بجمود:

– وما دام الموضوع كدا.. مش جيتي ليه بيت أبوكي بعد ما زعلت من جوزك؟..

سعادات بتلعثم بسيط:

– ما.. ما كنتش عاوزاه يعرف مكاني، مش طايقة أشوفه من الأساس!!!

أبوها بذات جموده وبروده:

– وأنتي لو في بيتي كنت هغصبك مثلا؟.. – سكت ليتابع بنصف ابتسامة محملة بالمرارة – أذا كنت ما عملتهاش (لم أفعلها) وأنتي صغيرة، هعملها وأنتي كبيرة!!… ولّا خفتي عشان أبوكي راجل فقير على قده مش هيقدر ياخد لك بحقك؟!!!!!

قال يوسف محاولا تهدئة أبو سعادات:

-ي ا راجل يا طيب ايه اللي بتقوله دا بس؟.. كلنا عارفين سعادات بتحبك وبتحترمك إزاي..

قاطعه أبو سعادات وعيناه لا تزالان مسلطتان على ابنته التي تنظر اليه برجاء وتوسل:

– كان يا أستاذ يوسف، كان….

هتفت سعادات من قلب موجوع:

– ولسّه (مازلت) يا أبو سعادات والله..

قاطعها أبوها بعتاب ممتزج بحدة قوية:

– ما كلمتناش ليه يا سعادات؟.. هنت عليك أنا وأمك وأخواتك تاخدي في وشّك وتقولي عِدُّوا لي كدا؟.. هي تربية الأصول يا بنت الأصول؟.. مش قليل لو كان جوزك بعد كدا يعايرك ويقول لك أنك بنت بواب!!!!!!!!

لؤي بصبر:

– ما عاذ الله يا أبو سعادة، حضرتك على عيني وراسي، واللي سعادة عملته دا أنا السبب فيه، أنا اللي غلطت في حقها وجامد عشان كدا هربت مني، ما كنتش عاوزاني ألاقيها، يعني حضرتك لو عاوز تلوم وتعاتب يبقى أنا!!!!!

صاحت سعادات بغضب ظاهر:

– أنا مش محتاجاك محامي يا لؤي بيه، مع أنه زي ما أنت قلت اللي انت عملته وقلته عمري ما هقدر أنساه، وأنا بقولك أهو.. وقودامهم كلهم… سيبني في حالي!!!!

أبوها بذهول غاضب:

– وحصّلت ترفعي صوتك على جوزك وفي وجودي يا سعادات؟..

سعادات وقد أعماها الغضب:

– دا مش جوزي، أنا طلبت الطلاق ولو ما رضيش بالزوق أنا هخلعه!!!!!!!!!!!

صفعة… كانت رد أبوها على قولها، لتشهق ألما، بينما وفي أقل من الثانية كان يوسف يبعد أبيها عنها، فيما هي احتمت بـ… ليس يوسف، ولا أنور ولا حتى نازلي، بل…. لؤي!!.. والذي أسرع باحتوائها بين أحضانه ليحميها من ثورة أبيها الواضحة، فيما هتف الأخير بغضب ناري:

– دا أنا أدفنك مطرحك لو عملتيها، اوعي تكوني فاكرة اكمني سامحت لك أنك تكملي علامك وتشتغلي يبقى خلاص، قالعنا توبنا ولبسنا توب البندر، احنا فلاحين، عارفة يعني ايه فلاحين؟.. يعني نعرف يعني ايه عيبة وجُرسة وفضيحة، لو حياتك الجديدة نسِّيتهالك أنا هفكرك بيها تاني!!!!!!!!!

سعادات بشهقات متقطعة:

– انت ظالمني يا أبو سعادات…

قاطعها أبوها صائحا بغضب:

– ما تقوليش أبو سعادات!!… أنا أبو جابر، سعادات بنتي طول عمرها رافعه راسي، كنت حاسس انها الصبي اللي كان نفسي فيه، حتى لمّا ربنا رزقني بيه ما رضيتش ينادوا لي غير بأبو سعادات، قلت لهم سعادات هي ابني البكري قبل ما تكوني بنتي كمان، لكن اللي قودامي دي واحدة وطِّت راسي في الأرض، تهرب من جوزها وتستخبى في بيوت الناس ولا كأن ليها أهل!!!!

وسكت يطالعها بخيبة أمل واضحة تابع بعدها بحزن وشدة:

– دا اللي ما لوش (ليس له) كبير، بيشتري له كبير يا أستاذة، يا مخرجة يا عظيمة!!..

ليكررها بتعب ثانية وقد همد صوته:

– اللي مالوش كبير بيشتري له كبير!!!!!!!

وران الصمت على الجميع فيما تهدلت يد أبو سعادات بجانبه، مال يوسف على أنور يهمس له بحدة:

– ايه اللي خلّاك تجيبه معاك؟..

أنور بيأس:

– أعمل ايه، صوتك أنت وجوزها كان جايب تاني شارع، وسمعكم وهو نازل جري وانت وراه بتنادي عليه وبتحذره أنه ييجي لسعادات، عرف اننا عرفنا مكاننا واترجاني أني آخده ليها، وأمها تتحايل وطبعا مراتي ومراتك مقدروش وصمموا اني أجيبه، لكن ما كنتش أظن أبدا أنه الموضوع هيتعقد كدا!!!!

يوسف مطالعا لؤي بطرف  عينه:

– أحسن خلّيه، يوريني هيصلّح اللي هببه دا ازاي، كله من تحت راسه!!!!!!!!

في حين كانت نازلي أول من تحدث قائلة بهدوء:

– اتفضل أبو سعادات، أنا مش هلوُم (ألوم) أنت على كلامك أنه بيوت ناس، أنا مش غريبة، أنا جدة قطر الندى، زوجة يوسف، يعني أنا جدة سعادات كمان، لكن أنا مقدّر حالة أنت فيها، ممكن تقعد ونهدى ونتكلم…

أبو سعادات باعتذار وهو يطالع نازلي التي كانت تنظر اليه بابتسامة صغيرة:

– أنا آسف يا ست هانم، لكن أنا كنت بين نارين، نار قلقي على بنتي من ناحية، واختفائها الغريب من ناحية تانية، احنا معندناش بنات تاخد في وشّها وتهج، اللي تغضب تروح لبيت أهلها، مش لبيوت الناس وسامحيني في كلمتي، لكن دي عيبة كبيرة في حقنا، والمفروض هي عارفة – ورمقها بنظر خيبة قبل أن يتابع – بس شكلها نسيت مع عيشتها الجديدة…..

كانت سعادات قد انتبهت لوجودها بين ذراعي لؤي لتسارع بسحب نفسها من بين أحضانه وأوشك على ابقائها رغما عنها ولكن تركها تبتعد في اللحظة الأخيرة، لتلتفت الى كلمات أبوها فاتجهت اليه ووقفت أمامه تقول بتوسل فيما دموعها تسيل على وجنتيها:

– لا عشت ولا كنت يوم ما أوطي راسك يا أبو سعادات، انا كنت في حالة غير الحالة، كنت زي المشلولة، المجنونة….

هتف فيها بغضب فيما قلبه يتآكله قلقا على حال ابنته فتلك ليست سعادته التي تثير السعادة أينما حلّت:

– هششش، اوعي تقولي على نفسك كدا، انت عقلك يوزن بلد يا سعادات، غيرشي بس شوية جنان صغيرين…

سعادات بحزن تام:

– كان يا أبو سعادات، لما أوصّل لك احساس اني مستقلّة بيك، يبقى أكيد مش في حالتي الطبيعية، وأنا من ايدك دي لإيدك دي، عاوز تضربني، تدبحني حتى.. حلالك، لكن ما تغضبش عليا، احياة أغلى حاجة عندك، مش هحلّفك بيّا لأني بعد اللي أنا عملته دا ماليش عين أرفعها فيك، سامحني، واطلب أي حاجة هعملها!!!!

نظر اليها أبوها في صمت للحظات قال بعدها بصرامة مشيرا الى لؤي الذي وقف يراقبها بقلق وتحفّز:

– مش دا جوزك اللي لسه واقفة تقولي لو مش طلقك هتخلعيه؟..

هزت سعادات رأسها بالموافقة قائلة:

– أيوة هو، ولسّه مصممة!!!!

قبض لؤي على يديه زافرا بعمق بينما قال أبوها بجدية:

– ولما أنتي مش طايقاه وعاوزة تطلقي منه إتحامِيتي فيه ليه منِّي؟!!!!!!!!!

حملقت سعادات في والدها في حين أردف الأخير بشبح ابتسامة:

– الست العايفة (لا ترغب) جوزها، ما تترميش في حضنه هو بالذات دونا عن الباقيين عشان يحميها!!!!!!!!!

ليبتسم لؤي بنصر وهو ينظر الى سعادات التي بادلته النظر بأخرى قاتلة قبل أن تقول وهي تترجى والدها بعينيها النجلاوين:

– يمكن لأني كنت زي التايهة عشان لأول مرة ترفع ايدك عليّا فيها يا ابو سعادات وتضربني، عمرك ما عملتها ولا حتى وأنا صغيرة..

أبوها بجدية:

– العيّل لما يغلط غلط جامد، مالوش غير الضرب، خصوصا لو غلطه دا بيأذي بيه نفسه وغيره، ومن ناحية أنك تايهة فطبيعي الست برّه بيتها بتكون تايهة، لأنه مكان الست بيتها ومع جوزها، يحلّوا مشاكلهم بينهم وبين بعض، ولو فيه حاجة جامدة تروح لأهلها هما اللي يقفوا جنبها وياخدوا لها حقها، أنا يا بنتي يمكن ما دخلتش بسيط، يعني على قد الكُتّاب زمان في بلدنا (الكُتّاب في القرى في ريف مصر هو مكان لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة على يد شيخ)، لكن أبوكي يفهم في الواجب والأصول كويس أوي، وإلا ما كنتش ربيتك تربية يحلف بيها كل من شافك، ودا اللي زعلني، أنك طول عمري راسي مرفوعة بيكي تيجي دلوقتي وتنزلـ…

هتفت سعادات برجاء:

– أبوس ايدك يا أبو سعادات ما تكملها، أنت طول عمرك راسك مرفوعة وعمر ما حد ينزلها أبدا، أنا عارفة أني مش عاد لي غلاوة عندك، لكن عشان خاطري ما تكررش الكلمة دي تاني…

أبوها بنصف ابتسامة:

– ودي حاجة تانية غلطتي فيها…

نظرت اليه سعادات مقطبة بحيرة في حين تبادل الآخرون نظرات الشك والتساؤل ليجيب أبوها ببساطة:

– مافيش غلاوة زي غلاوتك عندي يا بنت أبوكي!!!!!!!!!!

لتفغر سعادات فاها دهشة ثم أسرعت بالارتماء بين ذراعي أبوها الذي تلقفها بين أحضانه، لتضمه اليها وصوت بكائها يعلو ممتزج بكلمة “آسفة”.. التي أخذت ترددها مرارا وتكرارا، لتبعد عنه بعدها وتمسك بيدها وتنحني عليها تغرقها بقبلاتها العديدة المختلطة بدموعها، في حين ربّت أبوها على رأسها، فابنته لم تزل ترفع رأسه، حتى وأن صفعها فتلك الصفعة وان كانت قد هوت فوق وجنتها فهي قد سقطت فوق قلبه هو ليتقطع من شدة الأسى عليها، ولكنها أثبتت له أنها ما تزال سعادات ابنته التي لم تكن تخجل أبدا من ظروفه أو عمله، ليقرر أنه قد آن الأوان لمعرفة السبب الرئيسي لغضب ابنته من زوجها، وأنه كما عاقبها على خطئها في اختفائها عنهم، حان الوقت ليعاقب زوجها على فعلته في حق ابنته إن ثبت لديه فعلا أنه قد آلم قد ابنته لدرجة طلبها الطلاق أو… الخُلع!!!!!!!!!..

رفع رأس ابنته وقال بحنو:

– امسحي دموعك يا سعادات، وبعد إذنك يا ستّنا…

ونظر الى نازلي التي راقبت ما حدث بينهما بعينين تدمعان تأثرا:

– أنا جيت هنا على غفلة، لكن ممكن تسمحي لي أقعد مع جوز بنتي وبنتي، لأني مش هخرج انهرده الا لمّا أحل المشكلة، يا أرجعها لجوزها – ابتسم لؤي لتذوي ابتسامته وهو يسمع تتمة عبارة حماه – يا إما أخدها معايا واللي يريحها هعمله!!!!!

*******************************

قلّب أبو سعادات نظراته بين ابنته وبين زوجها، ليسحب نفسا عميقا ويقول:

– أنا مش فاهم دلوقتي، يعني انتي – مشيرا لابنته – مشكلتك معاه غيرته الزيادة، وانت – مشيرا الى لؤي – بتقول أنك زودتها معها آخر مرة وجرحتها بالكلام، طيب كلام ايه دا؟..

همّ لؤي بالحديث حينما هتفت سعادات تمنعه عن اجابة سؤال ولدها:

– يا بابا مش مهم قال ايه، المهم اني مش هقعد على ذمة واحد بيغير بجنون بالشكل دا!

لم ترغب أن تخبر أبيها بالحقيقة المرة، ماذا تقول له؟.. أن زوج ابنتك التي طالما افتخرت بها وبسلوكها يعتقد أنها على علاقة آثمة مع زوج أخته؟.. بل أنه وفعليا قد قام بطردها في منتصف الليل الى قارعة الطريق ناعتا إياها بأقسى النعوت معايرا لها بك وبأهلها!!!!!… هي لم تخف الحقيقة حماية للؤي بل خوفا وحرصا على والدها، لا تريده أن يشعر بالضآلة ولو لجزء من الثانية……

نهض أبوها وقال بحزم:

– شوفوا بقه، أنا الحال المايل مايعجبنيش، أنا هسيب لكم فرصة تحاولوا تتفاهموا فيها، وهستنى بكم بره، اتراضيتم كان بها، مش اتراضيتم وقتها أنا اللي هقرر تعملوا إيه…

وانصرف محكما اغلاق الباب خلفه، لتقف سعادات تطالع لؤي الذي نهض بدوره يبادلها النظر، هي بتحد وهو بغموض!!!!!!
كانت هي أول من خرق الصمت هاتفة بحدة:

– بص بقه، اوعى تفتكر أني ما قولتش لبابا كل حاجة عشان خايفة عليك مثلا ولا عشان صورتك قودامه مش تتهز لأ!!!!.. أنا السبب الوحيد للي عملته هو أبويا نفسه، مش هستحمل أشوفه وهو بيسمع شتيمته بودانه!!!!!
لؤي بكلمة وحيدة وكأنه لم يسمع كلماتها السابقة:

– وحشتيني!!!!!!!!!!!

تطلعت اليه في بلاهة وقالت:

– ها!!!!!!!!!!!!!

تقدم منها وهو يقول بلهفة تسبغ صوته وشوق ينبع من نظراته:

– بقولك وحشتيني يا جمع سعادة…. وحشتيني يا سعادتي كلها!!!!!!!!!!

ليصل اليها ويرفع يديه ليقبض على كتفيها فهتفت فيه لتسحب نفسها سريعا قبل أن يلمسها:

– انت اتجننت!!!!!!..

هبطت يدي لؤي بجواره وقال بصبر:

– اتجننت عشان مراتي حبيبتي وحشتني؟!!!!

سعادات ساخرة:

– لا وانت الصادق عشان مرات كدي بتقولك عاوزة تطلق!!!!!!!!!!!!!!!

مال عليها زارعا رمادي عينيه داخل بحيرتي البندق السائل في عينيها قائلا بلهجة لا تقبل النقاش:

– إيّاكي أسمعك تقولي الكلمة دي تاني، ما تختبريش صبري أكتر من كدا يا سعادة، أي حاجة أنا ممكن أكون هادي فيها إلا جوازنا ووجودك في حياتي، دا خط أحمر ما أسمحش لأي حد أنه يقرّب منه ولو بالهزار!!!!!!

سعادات بتأفف:

– أنا مبهزرش..

قاطعها لؤي بنفس عميق:

– أنا آسف!!!!!!!!

سكتت سعادات في حين أردف لؤي بندم صادق:

– أنا آسف على كل كلمة قلتها، آسف على كل شعور غبي جرحك غصب عني، آسف على..

قاطعته سعادات بجمود:

– آسف على كذبك عليّا؟….

طالعها بدهشة متسائلا بحيرة:

– كدبت؟… أنا كدبت عليكي في إيه يا سعادة؟..

سعادات بمرارة:

– لما تخبي عليا أنك كنت خاطب واحدة قبلي وكنتو خلاص هتتجوزوا، وسيبتها قبل الفرح  بأسبوع واحد دا مش كدب؟.. ولّـا أنت قلت هي يعني كانت تطولني فين، كدبك عليا دا دليل أنه الكلام الي رميته في وشّي كان جواك، انت كنت مستعر بيا وبأهلي يا لؤي، لو أنا كنت بنت قصور زيك كنت هتقول لبابا وأنت جاي تخطبني، هتتكلم بصراحة، لكن لأني بنت على قد حالها قلت مين دي اللي أبرر لها وأشرح لها، ودا يثبت أنه احساسي من الاول كان صح!!

نظر اليها في استفهام فتابعت بخيبة أمل:

– أنه ارتباطنا دا بالنسبة لك كان مغامرة مش أكتر، شيء جديد بتجرّبه، ولما تزهق منه ترميه!!!!!!!

نظر اليها ورغبة في ازهاق روحها تنتابه بشدة، تلك الغبية!!… ألا تعلم إلي أي حد يحبها بل يموت عشقا لها؟!!… لقد أصبح مجنون سعادته بشهادة كل من رآه في الفترة السابقة!!… ليجيبها بجدية تامة ناظرا اليها بدون أن يطرف له رمشا:

– لو أنا فعلا زي ما بتقولي كنت على الأقل منعتك عن اهلك، أو بلاش صممت أن والدك يسيب شغلانة (وظيفة) البواب دي وجِبت له وظيفة تانية ونقلته هو وعيلتك كلها من الأودة بتاعتهم لشقة كبيرة في مكان يليق برجل الاعمال لؤي فاضل!!..

قطبت في حين واصل بعزيمة:

– لو أنا زي ما بتتهميني، ما كنتش أصمم كل زيارة ليكي عندهم أكون معاكي، حتى الفترة اللي انتي كنتي فيها في المزرعة أنا كنت بزورهم وأسأل عليهم، ولو حصل وشافني حد من معارفي مع والدك في أي مكان كنت بقوله حمايا وأنا فخور بيه، وهو عندك تقدري تسأليه لو مش مصدقاني!!!!

مال أكثر ناحيتها متابعا بأسف لظنها السيء به:

– لو أنا زي ما بتقولي كنت حاولت معاكي الأول أننا نتجوز عرفي، مش رسمي وعلى إيد مأذون وأكبر فرح في البلد!!!!!

همّت بأن تقاطعه حينما أردف:

– لكن… لأني بحبك… – رقّت نظراته وهو يكمل – ولأني أكتشفت أنه وجودك في حياتي هو سر سعادتي، مسكت فيكي بإيديّا وأسناني، أجبرتك تقريبا على الارتباط بيا، وأنا جوايا (داخلي) يقين أن حبي هيكفينا احنا الاتنين لغاية ما تتعلمي إزاي تحبيني زي ما أنا بحبك، ولأني بحبك أوي، خفت أحكي لك عن اللي حصل في أمريكا، لأني مش كنت مالي إيدي منك ولا من حبك، خفت تعرفي تتلككي وترفضي الجواز، وساعتها مهما ضغطت ما كانش هينفع لأنه والدك أكيد هيقتنع بوجهة نظرك أنتي مش عاوزة واحد له ماضي زيي… – سكت مردفا بسخرية مُرِّة – رد سجون!!!!!!!

نظرت اليه سعادات بغضب وهتفت فيه:

– انت فاكر أني زعلانه عشان طلعت رد سجون؟.. لا أنا مش سطحية أوي كدا، ولو كنت قتلتها ولا كان هيتهز فيا شعرة لأنها تستحق الموت هي والـكلب اللي كان معها، لكن انت مريت بتجربة قاسية جدا، وفيه واحدة فعلا دخلت حياتك وكنت هتتجوزها، من حقي أني أعرف كدا، يمكن كنت عذرتك في غيرتك وأخدت بالي أكتر من كدا في تصرفاتي وكلامي، لما يبقى أنا اللي أتحمل نتيجة اللي حصل لك زمان يبقى من حقي أني اعرف، وحقي أني أختار أوافق ولا أرفض..

لؤي بغموض:

– وانتي عرفتي يا سعادة، يا ترى هتوافقي ولا هترفضي؟!!!!

سعادات بأسف:

– للأسف يا لؤي، لو حتى عذرتك في الموضوع دا، هيفضل كلامك وتجريحك ليا ولأهلي يرن في وداني، وهتلاقيني على طول متحفزة لأي كلمة ولو بالغلط تطلع منك، وأنا مقدرش أعيش بالشكل دا، دي تبقى حياة كلها شكوك مش من ناحيتك لوحدك، لأ… من ناحيتي أنا كمان!!.. عشان كدا خلينا نفترق من دلوقتي، بدل ما كل حاجة بيضا بيننا تبقى سودة، بلاش (يكفي) سواد أكتر من كدا!!!!!

لؤي بجمود:

– وهتعملي ايه بعد كدا؟.. يعني.. لو وافقت!!!

سعادات ببساطة وهي تحاول تمالك نفسها فيما داخلها يئن حزن كمن ينازع أنفاسه الأخيرة:

– هرجع شغلي مع جو، وأحاول أرجع لحياتي تاني، وأكيد بيننا ذكريات حلوة، لكن هتفضل ذكريات… مجرد ذكريات!!!!!

صمت دام لثوان قطعه بعدها وهو يقول بهدوء:

– طيب اسمعيني بقه عشان دا آخر كلام عندي في الموضوع دا..

نظرت اليه بتساؤل ليتابع:

– براحتك يا سعادة… لكن مش أنا اللي أهد سعادتي بإيدي، وطول ما قلبي دا بيدق وصدري فيه نفس أنتي هتفضلي سعادتي أنا وبس!!!

نظرت اليه بتشكك وقالت بتوجس:                    

– يعني إيه؟.. ليجيبها ببساطة ووضوح وصدق يشع من بين دخاني عينيه:

– يعني اغضبي يوم اتنين عشرة، سنة.. لكن في الاخر هترجعي لي، وهتلاقيني قودمك في كل مكان، بالظبط زي ضلّك… – ليشهر سبابته متابعا بتحذير – واي حد هيقرب من سعادتي… هحوّل ايامه لبؤس… وافتكري كلامي دا كويس اوي يا .. حضرة المخرجة العظيمة!

قطبت تريد الصراخ فيه ونعته بأشد الصفات ولكن.. توقف لسانها في حلقها وهي ترى خطواته تقترب وتقترب حتى وقف أمامها تماما ليميل عليها قائلا ببساطة وكأنه يخبرها بشيء بديهي:

– ودا تذكار يفكرك انك… سعادة لؤي وبس…

ولم يتثنى لها الاستفهام حيث فاجئها بأن تناول ثغرها في قبلة، ولكنها.. ليست كأي قبلة!! فهي عنيفة ولكن.. برقة، جامحة ولكن.. بوداعة، لتشعر كأنها في وسط شلالات عذبة ولكنها… تسقط بقوة وسط دوامتها.. والتي لم تكن سوى دوامة عشقه!!..

 

ثم.. تركها ورحل، ليعلن قلبها بأنه قد سقط في هواه ثانية.. وبنجاح ساحق، ولكنها أبدا لن تعترف فحبيبها الوقح سيدفع ثمن خطئه في حقها وبالكااااااااااامل!!!!!!!!!

 

 

تأفف يوسف للمرة المليون وهتف بنزق:

– يا بنتي افهمي، مينفعش اللي انتي بتقولي عليه دا..

سعادات بعناد:

– ليه؟.. هو مش فيه خلع؟.. وانت بنفسك اللي قلت كدا؟..

يوسف بسخط:

– أيوة بس ما كنتش أعرف أنه حضرتك حامل!!!!

سكت وتخضب وجهها خجلا في حين تابع يوسف:

– عارفة يعني إيه حامل؟.. يعني طفل جاي في السكة، وحضرتك كمان ما قولتيش لأبوه، تفتكري هو مش هيعرف؟..

سعادات بحنق:

– هو مالوش دعوة، اللي في بطني دا ابني أنا!!!!!!!!!!

كاد يوسف أن يقتلع شعر رأسه هادرا:

– مالوش دعوة إزاي؟.. شوفي أنا مش بطيقه لله في لله كدا، ولسّه ما فشيت غلِّي على اللي عمله معاكي، لكن مش معنى كدا أني أوافقك على الغلط!!!.. أنا حتى مش عارف أبوكي سكت إزاي لما قلتي له أنه لؤي ميعرفش؟!!!!

ندى بصبر:

– بالراحة يا يوسف مش كدا!!
في حين أجابت سعادات بتردد:

– قلت له أني هقوله في الوقت المناسب بطريقتي!!
يوسف بسخرية:

– واللي هو امتى الوقت المناسب دا ان شاء الله؟.. وإيه هي طريقتك دي؟..

سعادات بنفاذ صبر:

– وقت ما يجي لي مزاجي يا جو، أنا جيت لك انهرده عشان أقولك أني من بكرة هنزل الشغل دا لو لسّه عاوزني معاك؟..

ندى بعتاب رقيق:

– طبعا عاوزك يا سعادات، أنتي مش عارفة غلاوتك عند يوسف؟!!

ثم نظرت الى يوسف بإصرار فزفر الأخير بعمق وقال بصبر:

– أنا خايف عليكي يا سعادات، أنتي عارفة أنك في غلاوة طاهر ابني بالظبط، دا غير أني وبالرغم من أني مش بطيق جوز كدا لكن عارف ومتأكد انه مش بس بيحبك لا.. ومجنون بيكي كمان، وأنا موافقك أنه لازم يتربى، لكن لما أنّا نازلي قالت أنك حامل يومها بعد ما الكل مشي، وهي اتحايلت على والدك انك تفضلي قاعده معها تونسيها، كان الخبر بالنسبة لي مفاجأة رهيبة، مش عارف أفرح ولا أعاتبك أنك خبيتي عليّ وعليه هو كمان، وهو أول واحد من حقه أنه يعرف..

وكان أبوها قد وافق على رغبة نازلي ولكن قبلا لا بد لها من الذهاب معه لرؤية أمها التي تكاد تجن قلقا عليها والتي كا أن رأتها حتى ارتمت تقبل كل انش فيها ثم بعدها عاتبتها على اختفائها لتعتذر منها سعادات وقضت معهم باق ياليوم قبل أن يعيدها يوسف ثانية الى منزل نازلي..

أجابته سعادات بتعب:

– هيعرف يا جو، صدقني هيعرف، بس في الوقت المناسب، لما أحس أنه فعلا ندم على كل كلمة وتصرف بدرت منه، وانه فعلا اتغيّر وغيرته دي قدر يتحكم فيها..

ندى بحنان:

– انتي عرفتي أنه سافر المزرعة تاني يوم كنتوا فيه مع بعض، وراح لحازم جوز رشا واعتذر له عن أي شيء بدر منه، رشا كلمتني قالت لي، طبعا حازم لسّه جوّاه عتب عليه لكنه قالها أنه الايام كفيلة بيه….

ثم رغبة في تبديل الحديث قالت ندى:

– بقولك أيه تعالي معايا ندخل نعمل العشا ونكمل كلام..

وانصرفتا تاركتين يوسف وقد رمى نفسه على الاريكة شاردا في مشكلة سعادات حينما انتبه على يد صغيرة تهز ركبته بقوة، لينظ الى الاسفل فيطالعه طاهر رافعا يده ضامّا أصابعه يمسك بينهما شيئا يمده اليه وهو يقول:

– أوسف… إيـِفـِيتـُوفـِيتـَا!!!!!!!!!!

قطب يوسف واعتدل في جلسته ليتناول ما بيده والذي لم يكن سوى حلوى للأطفال يقومون بمصّها بما يطلق عليها لفظ “مصّاصة”… قال يوسف وهو يقلب الحلوى بين يده:

– عاوز إيه؟..

كرر طاهر كلمته بصبر مشيرا للحلوى في يد يوسف:

– إيـِفـِتـُوفـِيـِتَا!!!!!!!

يوسف بحيرة وهو ينقل نظراته بين الحلوى وابنه:

– أفتفتها لك!!!!!… أفتفته ليه؟.. ما تمصّها كدا!!!!!!!!

ألح طاهر مكررا كلمته بحنق ليقول يوسف بصبر:

– يا بني مش بتتفتفت( لا تُكسر).. دي مصاصة بتتمص يا حبيبي..

ولكن طاهر ركل الأرض بقدميه مكررا طلبه الغريب لينفذ صبر يوسف ويسرع بمناداة ندى عاليا فهي وحدها من تفهم لغته الغريبة تلك!!!!!!!!

حضرت ندى سريعا على صوت زوجها النزق وفي إثرها سعادات، والتي ما أن رآها طاهر حتى أسرع بسحب الحلوى من يد يوسف واعطائها لندى وهو يعيد عليها ما سبق وطلبه من يوسف بينما ابتسامة عريضة تفترش وجهه الطفولي وكأنه يعلم أنها قد أتت من ستحل له مشكلته العويصة!!!
تنازلت ندى الحلوى وتمتمت بينها وبين نفسها الكلمة وهي تقول بتساؤل:

– أفتفتها (أكسِّرها)!!!

فغابت بسمة طاهر واعتلى وجهه علامات الخيبة وهو يهز رأسه بالرفض، لتقول ندى بترقب:

– أفتحها؟.. يمكن قصدك أفتحها؟!!!!!!!!!

لتشرق أسارير طاهر ويضحك فابتهجت ندى في حين طالعهما كلا من يوسف وسعادات الأول بذهول والأخرى ببلاهة!!!!!..

نزعت ندى غلاف الحلوى وناولتها له ليسارع بأخذها ووضعها في فمه يتلذذ بطعمها اللذيذ وهو يرمق يوسف بغرور قائلا:

– أوسف.. آبي!!!!!!!!!

فضرب يوسف كفًّا بكف، في حين انطلقت ضحكة ندى وقالت وهيى تمد يدها الى طاهر:

– تعالى يا توتي نكمل العشا، عارف هنتعشى أيه؟..

طالعها باستفهام فانحنت عليه تتابع بابتسامة هامسة له كمن يفشي سرا:

– يووووونة!!!!!!!!

ليقفز فرحا مصفقا بيديه وهو يقول:

– هييييييييه… يوونة يوووونة…

ليرفع رأسه لها يفاجئها بقبلة قوية أصدرت صوتا عاليا قال بعدها:

– دايا بيبتي توتي!!!!!!

ليمسك بيدها بعدها متوجّها الى المطبخ لتحضير العشاء أو الـ.. “يووونة”!!!!!!

همست سعادات ليوسف وهي تراقب ابتعاد الصغير المتقافز فرحا مع ندى:

– جو… هي مراتك اتعلمت اللغة دي امتى وفين؟…

يوسف باستفهام ساخر:

– ليه عاوزة تتعلمي زيّها؟..

سعادات ببساطة:

– لو ينفع تديني (تعطيني) كورس فيها، ولو أني متأكدة أنه الباشا ولا الهانم هينزل يرطن (يتكلم) بالانجليزي مرة وبالتركي مرات!!!!!
ضحك يوسف وقد غاب مزاجه النكد وقال:

– أخبار أنـّا نازلي معاكي ايه صحيح؟..

سعادات بيأس:

– هي طيبة، وجدا كمان، لكن لما بتقلب ولا زعابيب أمشير، ومش عاوزاني أمشي، تقولي لا بنت سعادات أنت هنا بعيد عن لؤيات عشان هي تتربى!!!!
يوسف بابتسامة:

– هي فعلا طيبة جدا، المهم هتنزلي الشغل بكرة ان شاء الله، هفوت عليكي!!
سعادات برفض قاطع:

– مالوش لزوم، أوبر في دقايق هيكون عندي ويوصلني لغاية باب الشركة..

وندمت سعادات على عدم قبولها اقتراح يوسف بالمرور عليها صباحا، فقد كان البديل… هو نازلي هانم شخصيا!!!!!!!!!!!!
ذهلت سعادات في صباح اليوم التالي من تصميم نازلي على ايصالها، واضطرت الى الموافقة بعد الحاح كبير من نازلي، لتصاب بالذهول برؤية السيارة والتي كانت مرسيدس موديل الخمسينات، ولكن ذهولها سرعان ما تحول الى صدمة ورعب حينما علمت بأن من سيقود بهما تلك السيارة الأثرية لم يكن سوى.. أنـّا نازلي نفسها!!!!

قالت سعادات وهي تنظر بقلق الى نازلي التي انشغلت بإدارة المحرك:

– أنا كنت فاكرة أنه فيه سواق؟..

هزت نازلي رأسها مجيبة ببساطة:

– ايفيت، فيه سواقة طبعا، لكن أنا عاوز يسوق في شوارع قاهرة المعز!!!!

كادت سعادات تبكي وهي تقول:

– أيوة بس يا أنـّا العربية قديمة أوي، وحضرتك أعتقد من زمان مش سوقتيها!!

نازلي مؤكدة:

– آخر مرة جيت مصر من عشر سنين، من وقتها مش نزلت هنا ولا سوقت سيارة..

سعادات باضطراب:

– طيب يعني العربية ممكن تكون مش في حالتها الطبيعية؟..

نازلي بنفي:

– لآ… عز كان بياخد باله من بيت وسيارة وكله، وسواق أول ما اشتغل أخدها صيانة..

سعادات وهي تكاد تبكي:

– صيانة إيه دي في حاجة عمرها الافتراضي انتهى من خمسين سنة وأكتر!!!!!!

لتحدجها نازلي بصرامة قائلة:

– اخرسي مصيبات غبيات، تعرف منين أنت سيارات!!.. بعدين معاك نازلي رستم، أفضل سواقة زمان..

سعادات ببؤس:

– آه.. وعاوزنا نرجع زي زمان…..

هتفت فيها نازلي وهي تستعد للانطلاق بالسيارة:

– سوس!!!.. اخرسي مصيبات…..

لتهدر السيارة بعنف ثم تقفز الى الأمام قبل أن تتمسك نازلي بالمقود جيدا لتنطلق بعدها في طريقها فيما همست سعادات برثاء:

– مصيبات!!!!!!!!.. احنا فعلا هنعمل مصيبات وكارثات كمان لو فضلت سايقة البتاعات (أشياء) دي (هذه)!!!!!!!!!

ثم رفعت عينيها إلى الأعلى وأردفت تدعو ربها:

– لله الأمر من قبل ومن بعد، وأنا لله وأنا إليه راجعون!!!!!!!!!!!!.

                          – يتبع –

 

شاهد أيضاً

قصه انتحار الكاتبة Aisha Mohamed

  “إنتحار” “خاص بالمسابقة” جلست قليلٱ علي مقربة من شرفتها، سرق عينيها ضوء القمر،أخذت تتأمل …

اترك رد

error: Content is protected !!