الرئيسية / روايات / قارئة الفنجان الفصل 43 بقلمي/ منى لطفي(احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان الفصل 43 بقلمي/ منى لطفي(احكي ياشهرزاد)

قارئة الفنجان

الفصل (43)

بقلمي/ احكي ياشهرزاد(منى لطفي)

تأفف يوسف للمرة العاشرة وهو يروح ويجيء في المكان تماما كالليث المحبوس فيما يخرج هواءا ساخنا من فمه يكاد يشعر بحرارته كل من يقترب منه، نظرت اليه ندى وقالت بصبر:

– يوسف يا حبيبي مش كدا، أومال باباها ومامتها بقه يعملوا إيه؟.

وقف يوسف ناظرا الى ندى وهو يجيب في حنق وحدة:

– هتجنن يا ندى، هتجنن!!.. تكون راحت فين؟.. دي مالهاش حد غيرنا، لا جات لأهلها ولا احنا وأنور ورنا ميعرفوش عنها حاجة، حتى باباكي ومامتك استغربوا من اختفائها، يبقى راحت فين بس؟!!!!

نهضت ندى واتجهت اليه لتقول:

– يمكن واحدة من صحباتها في الكلية؟..

يوسف بتعب:-

– عمر صلتها بيهم ما اتعدت الزمالة أبدا، صداقتها الوحيدة كانت معايا أنا وأنور، وبعد ما عرفناكم بئيتي (أصبحت) أنتي ورنا أصحابها، هي فعليًّا مالهاش غيرنا، وغيري أنا على وجه التحديد، يبقى اختفت فين؟.. انشقت الارض وبلعتها!!!!!!!!!..

قاطعهما رنين جرس الباب ليتجه يوسف لفتحه فيما أسرعت ندى الى الداخل لتضع عليها إسدال الصلاة، وعادت ثانية لتجد أنور ورنا وهما يجلسان الى يوسف الذي شارفت أعصابه على الانهيار، بعد أن ألقت عليهم بالتحية معانقة رنا، وجلست بمحاذاتها قالت باهتمام:

– أيه الاخبار يا أنور؟.. بردو مافيش أي حاجة عنها؟..

هز أنور رأسه بأسف قائلا:

– للأسف يا ندى، ماحدِّش (لا أحد) يعرف عنها حاجة، أبوها وأمها هيتجننوا، أسبوع دلوقتي لا حس ولا خبر، حتى أنا وجو ما سيبناش حد الا لما سألناه، وأبوها كلّم أهله في البلد وحاول يستقصى منهم من غير ما يحسوا بحاجة عشان الدنيا ما تولّعش بزيادة، اتفاجئ أنهم بيلوموه عشان ما جابش سعادات وعريسها البلد ولا مرة من بعد الجواز!!!
نفخت رنا بضيق وقالت بأسف:

– يا حبيبتي يا سعادات، ما كانتش تستاهل اللي جرالها دا كله!!
انتفض يوسف واقفا وهو يهدر في غضبا ضاما قبضته بقوة:

– أنا من الأول ما كنتش موافق ع الزفت اللي اتجوزته دا، واد مايع كدا!!!

ندى بصبر:

– لؤي غلط دا أكيد، لكن حالته وحشة أوي دلوقتي، مين كان يصدق أنه دا لؤي فاضل رجل الاعمال المعروف؟!!!.. آخر مرة شوفته من يومين كان عند بابا، بيحاول يعرف أي حاجة عن سعادات أو لو كانت اتصلت بيهم، كان شكله زي ما يكون واحد ما نامش (لم ينم) من شهر، وهدومه كأنه مش بيغيرها خالص، ودقنه طالع وعينيه وارمة، غير أنه خس جدا، ويومها أنّا نازلي بالصدفة كانت موجودة وما سيبتهوش (لم تتركه)… نزلت فيه كلام ولُوم وهو ساكت، ما ردّش بكلمة، لكن أوِّل ما قالت له انه ما يستاهلهاش (لا يستحقها) وأنها لو ظهرت هي بنفسها هتضمن انها مش هترجع له تاني… وقتها كأنه واحد كان نايم وصحي على كابوس!!… اتنفض ووقف وقال بكل جدية أنها سواء ظهرت أو مش ظهرت فسعادات مراته وهتفضل مراته، وما فيش حاجة هتغير من دا ابدا!!!

يوسف بحنق:

– يستاهل أكتر من كدا كمان، أنا ماسك نفسي بالعافية أني ما أطحنوش ضرب، وعشان كدا بحاول ما ِأشُوفْشِ (لا أرى) خلقته، عشان المرة الجاية مش هسيبه (لن أتركه) الا وهو مطلّع في الروح(ميّت)!!!!..

ندى بعتاب رقيق:

– يعني يا يوسف مش مكفيك العلقة اللي انت ّ إدِّيتهالو (أعطيتها له) يوم ما جالنا أول يسأل عليها؟.. دا انت ضربه في بيتك يا مؤمن!!!!
يوسف بغيظ وانفعال:

– دا اقل واجب!!!.. عاوزاني آخده بالحضن وهو جاي يقول لي أنه طارد سعادات ومبهدلها غير الكارثة اللي عملها فيها واتهامه ليها بالخيانه!!.. أنا معرفش إزاي ما قتلتوش يومها على كل اللي قاله وعمله فيها؟!!!

ندى بلوم:

– هو ما كانش ملزوم أنه يحكي على فكرة!.. لكن هو حكى كل حاجة زي ما يكون عاوز يكفّر عن ذنبه في حقّها، قال لك أنت على كل حاجة، لأنه عارف أنك أبوها الروحي، لكن والدها الحقيقي.. ما يعرفش غير انهم اتخانقوا سوا وهو غلط فيها جامد فهي أخدت في وشّها وخرجت زي ما طلب منها، لكن مار ضيتش تيجي عند أهلها عشان ما يعرفش طريقها، ومع كدا أبوها على أد (قدر) قلقه عليها على أد غيظه منها ومستحلف لها لما يشوفها مش هيعدِّيها لها (لن يمررها لها)، لأنه مهما كان هي ليها أهل المفروض كانت ترجع لهم!!..

قال يوسف باستنكار:

– ندى.. انتي مش صعبان عليكي سعادات ولّا إيه؟.. مالك عمّالة تدافعي عنه ليه كدا؟..

وقفت ندى تطلع اليه في دهشة وهي تقول:

– أنا يا يوسف مش زعلانه عشان سعادات؟… مين الي قال أني مش بلومه على كل اللي حصل للمسكينة دي؟.. لكن أنا عاوزاك تفكّر بسنّة عقل – ورفعت اصبعيها السبابة والابهام مشيرة بهما ترمز للشيء القليل متابعة – سِنَّه صغيرة بس، عشان لما تظهر سعادات صدقني هتكون محتاجة عقلك مش عضلاتك!!..

يوسف بحدة:

– لما تظهر سعادات مش هخليه يطول ضفرها حتى!!!

نهض أنور يقول محاولا تهدئته:

– يا جو مش كدا هي مش خناقة، احنا المهم عندنا اننا نلاقي سعادات في الأول، وبعد كدا كله محلول..

يوسف بتحد:

– بعد كدا يبقى يحلم بس أنه يقرّب منها تاني!!!

زفرت ندى بضيق وهتفت وهي تقلب عينيها الى الأعلى:

– الصبر يارب…

ثم أعادت نظراتها اليه متابعة:

– يعني أنا عاوزة أفهم.. حالته دلوقتي مش حالة واحد الندم راكب من راسه لرجليه؟.. العقل بقه يقول إيه؟.. – لم تنتظر جوابا وتابعت – يقول أنها تظهر وتواجهه وتقعد وتسمع منه وتفهم، وأنا متأكده أنها لما تعرف اللي حصل له زمان واللي هو بنفسه قاله بلسانه هيفرق معها، ولو أنها مش هتسامحه أنه من الأول مش قالها!!

وضع يوسف يديه في خاصرته وهتف بحنق:

– يا سلام!!!.. متعقّد من ماضيه يقوم يطلّعه على البنت المسكينة دي؟..

نظرت اليه ندى بنصف عين وهي تقول بغموض:

– بلاش أنت يا يوسف ها؟… انت بالذات بلاش نتكلم في الماضي!!!
تأفف يوسف نافخا:

– أوووف.. اتفضل يا سيدي، احنا بنقول في ايه بنت خالتك بتقول في إيه؟..

ندى بجدية:

– هي هي يا يوسف، مين فينا مالوش ماضي أثّر أكيد على الحاضر بتاعه، بس مننا اللي واجه الماضي دا – وابتسمت له بخفة مشيرة اليه ثم واصلت ومنّا اللي هرب منه – لتغشى عينيها نظرة حزن مرقت كالسهم لأقل من ثانية مشيرة الى نفسها ثم أردفت – ومنّا اللي سابه (تركه) يأثر عليه ويعمل جوّاه ندوب ما عالجهاش… زي لؤي!!!..

أنور بهدوء:

– ندى بتتكلم صح يا جو.. تعالى بقه نقعد ونهدى كدا ونفكّر راحت فين؟!!!!
أشارت ندى الى رنا قائلة:

– تعالي يا رنا لما نروح نعمل حاجة نشربها، ريقي نشف!!!
ولم تكد تخطو خطوة واحدة حتى أبصرت طاهر يقف أمام باب الغرفة وقد اعتلت وجهه تكشيرة طفولية فيما نظراته منصبة بحقد على…. يوسف!!!

ندى بابتسامة وهي تتجه الى طاهر:

– توتي حبيبي.. تعالى سلّم على أونكل أنور وأنتي رنا….

دلف طاهر بخطواته الصغيرة، لتتلقفه رنا بين أحضانها وتقبله على وجنتيه وهي تهتف بفرح:

– يا خلاثي على العسل يا ناس، أنا هاخدك أحدك قودامي طول الشهور الباقية بصراحة عشان الواد يطلع شبهك..

أنور بسخرية:

– وافرضي طلع بنت؟..

رنا ببساطة:

– توتي قمر سواء ولد ولا بنت!!

وكزه يوسف ساخرا:

– خالي بالك… توتي باشا كازانوفا ما حصلش، اسألني أنا!!!

أنور بفكاهة:

– الولد سر أبيه!!!!!!!!!!

وضعت رنا طاهر أرضا فاتجه للسلام على أنور وهو يرمي يوسف بنظرات حاقدة، فقال يوسف بنصف ابتسامة:

– ايه يا كابتن، انت زعلان مني ولا إيه؟..

وقف طاهر بجوار ندى وأومأ إيجابا وهو يجيب مكشرا تكشيرة طفولية:

– لان مني (زعلان مني)!!!!!

ضحك الجميع فيما قال يوسف كاتما ابتسامته:

– ولا مني ليه يا طاهر باشا؟..

طاهر بحدة:

– سئعي دايا ليه؟..

قطب يوسف وقال موجها سؤاله لندى:

– سئعي!!!!.. أنا هسئّعِك (أبرّدك) إزاي أن شاء الله؟.. هحطّك في التلاجة ولا الفريزر؟.. تهمة جديدة دي؟!!!!!
كتمت ندى ضحكتها ورسمت الجدية وقالت وهي تهبط على ركبتيها لتكون على مستوى نظر طاهر:

– حبيبي بابا كان بيتكلم مش بيزعق (يصرخ)!!!

حدق يوسف بدهشة متمتما:

– هي سئّعي يعني زعّق!!!!

فيما تابعت ندى بعتاب رقيق وهي تمسّد خصلات شعره الناعمة:

– بعدين توتي حلو… مينفعش يزعل من بابا الحلو صح؟..

هز طاهر رأسه نافيا بشدة وهتف:

– آآه (لأ) – ثم تابع مشيرا الى نفسه – توتي حِوّ (حلو) – ثم أشار الى ندى وواصل – دايا حِوّة (حلوة) – ليشير بعدها الى يوسف مردفا – أوسف آبي!!!!

كتم كلا من أنور ورنا ضحكاتهما في حين ضرب يوسف كفًّا بكف وهو يشير اليه قائلا:

– اتفضل يا سيدي، تقول أني جوز أمه، ضرّته؟!!!.. أهو على طول نقره من نقري كدا!!!!!!
في حين نظرت ندى بلوم الى طاهر وقالت بحزم طفيف:

– دايا زعلانه من توتي!!
نظر طاهر باستغراب لتردف:

– طاهر حلو.. مش يشتم ويقول كلام وحش… طاهر حلو… – ثم أشارت الى ملابسه متابعة – هدوم طاهر حلوة – لتشير بعدها ليوسف مكملة بابتسامة – بابا طاهر كمان حلو!!!

سكت طاهر وقد غرق في التفكير الذي ارتسمت علاماته على وجهه قبل أن يقول وكأنه اقتنع أخيرا بما تقوله:

– اممم توتي حوّة… دومي (هدومي= ثيابي) – أمسك ثيابه متابعا – حِوّة، أوسف حوة!!
لتقبّل ندى وجنته هاتفة بحماس:

– برافو توتي…

ثم استقامت ومدت يدها اليه قائلة:

– ياللا بينا نروح نعمل عصير؟..

ليقبض طاهر بيده الصغيرة على راحتها الممدودة له وقد ارتسمت ابتسامة عريضةض على وجهه سار مع ندى ورنا وهو يتقافز فرحا..

تابع يوسف بعينيه انصرافها مع صغيره وابتسامة حنون تفترش وجهه، ليقول بعدها بهمس:

– لو قلت لك هو متعلّق بيها ازاي مش هتصدقني!.. أظن أنه لو ابنها فعلا أو هي أمه بجد ما كان هيتعلق بيها بالشكل دا، وهي كمان… مش بترضى تفارقه ثانية واحدة..

أنور بابتسامة خفيفة:

– الحمد لله يا جو، ندى قلبها طيب أوي، وصدقني من حظك الحلو أنك وقعت فيها هي، ودا يخليني أقولك فكّر في كلام ندى…

يوسف بتقطيبة:

– كلام؟.. كلام إيه؟!!!

أنور بصبر:

– اتعامل مع موضوع لؤي وسعادات بهدوء شوية عن كدا، صدقني هما الاتنين بيحبو بعض، أنا معاك انه لازم يتأدب ويعرف أن الله حق، بس بعد كدا يرجعوا لبعض، هما الاتنين بيحبوا بعض يا جو، لازم يسمعوا بعض ويتفاهموا عشان مش يضيّعوا حبهم دا…

يوسف بتأفف:

– أنور لو سامحت.. الأول سعادات ترجع، وبعدين نشوف هنربيه ازاي، دا لو أنا وافقتك على كدا، ولو عاوز رأيي أنا نفسي أعلّقه من عينيه على اللي عمله معها!!!!
فسكت أنور تماما وراقب جو وهو يزفر بضيق واضح فيما اشتغل عقله سريعا.. ترى علام تنوي يا يوسف عند ظهور سعادات؟!!!!.

****************************

كانت تجلس في غرفتها ككل يوم، تقوم الممرضة المرافقة لها والتي قدمت بناءا على أوامر الطبيب باعطائها الدواء والاهتمام بحالتها الصحية، فيما رفضت هي الخروج من غرفتها ولازمتها طوال الأيام السابقة..

صوت طرقات على الباب وصل سمعها ولكنها لم تلتفت اليه، ليتبعه صوت خطوات تقترب، توقفت على بعض انشات منها تبعها صوت رجولي تحفظ نبراته عن ظهر قلب يقول:

– ازيك يا رشا!!!!!

قطبت بغير استيعاب للحظات، قبل أن تستدير برأسها بالحركة البطيئة لتقع عيناها عليه هو… من كان بالأمس أقرب إليها من أنفاسها، لتهتز حدقتيها بحركة خفيفة ما لبثت أن أدارت وجهها بعيدا عنه لتعود الى جلستها الأولى محدقة في الفراغ خارج النافذة، صوت سحب الكرسي المقابل لها طرق سمعها ولكنها لم تعره اهتماما، ليجلس حازم ويلتزم الصمت لثوان قبل أن يقول:

– أنا عارف أنه اللي مرِّيتي به صعب، وأنا مش سادي يا رشا عشان أعاقبك من غير داعي، لكن اللي حصل لازم له وقفة وجامدة كمان، احنا مش اتنين عايشين مع بعض بالصدفة، لا… احنا المفروض زوجين يعني بيت وأسرة وأطفال ان شاء الله في المستقبل، فيه أسس مش هينفع لأي حياة أنها تستقر إلا بيها، ودا اللي أنا علمته، كنت عاوزك تعيدي حساباتك وتفكري مرة واتنين في اللي حصل، وتعرفي أنه الراجل اللي انتي شايله اسمه من حقه عليكي انك تحافظي على الاسم دا وتعرفي يعني ايه زوجة بجد..

سكت ولكنها أيضا لم تلتفت اليه فزفر بتعب ليواصل بعدها:

– أنا لما عرفت اللي حصل لك حاسيت بضيق رهيب يا رشا، عمري ما كنت أتصوّر أنه اللي جرى بيننا يكون نتيجته كدا، وعشان كدا….

قاطعته ببرود وهي تركز بصرها على نقطة وهمية في الفراغ:

– وعشان كدا جيت تطمن على اللي كنت السبب في اللي جرالها!!!!

حدق فيها بذهول لتستدير بوجهها اليه متابعة بابتسامة ساخرة:

– أيوة يا دكتور، أنا بتكلم، ومحدش يعرف، لأني حسيت أني عايزة أعتزل الكل حتى بالكلام، فاطمّن يا دكتور، أنا كويسة وبخير والحمد لله، وزي ما أنت قلت أنا بعيد حساباتي من جديد… لأنه فيه حاجات كتير أوي لازم لها وقفة، ووقفة جامدة على رأيك!!!
قطب يطالعها بتساؤل وقبل أن يتثنى له الرد استدركت قائلة بجمود:

– وعلى فكرة عشان بس ما تضايقش نفسك، الانهيار اللي حصل لي دا انت ما كنتش السبب فيه، ولا حكمك بنفيي عند أهلي، أنت كنت الإيد (اليد) اللي حركت كل اللي كنت كاتماه جوايا من زمان، فيا ريت بلاش نظرة الشفقة اللي في عينيك دي!!

هتف حازم بدهشة:

– شفقة!!!!!!

تأففت رشا ونهضت وهي تقول:

– بقولك إيه يا حازم، مالوش لزوم الكلام الكتير… ويا ريت لو توفّر شفقتك وعطفك لناس تانية، رشا فاضل مش مستنية شفقة ولا رجا حتى منك خلاص!!!

لينتفض واقفا وهو يقول في استنكار:

– شفقة!!!!!.. اللي بيننا شفقة يا رشا؟!!!!

لتقف على مقربة منه وتقول باستهزاء:

– وهو ايه اللي بيننا يا دكتور؟…

همّ بالاجابة حينما رفعت سبابتها مردفة بحسم:

– اوعى تقول حب!!.. اللي يحب حد ما يرمهوش (لا يرميه) بالشكل دا، انا وطيت على ايدك أبوسها وأترجاك تسامحني لكنك عاملتني بمنتهى القسوة، كأني عدوّة لك مش مراتك!…

هتف بحدة:

– مش صح!!!!… صدقيني لما جيتي بيكي على هنا عند أهلك كان لمصالحتك أنتي في الأول، وعشان باقي على حياتنا سوا، لأنه أي حد غيري بعد اللي سمعه من أخوكي كان أبسط حاجة أنه رمى اليمين وساب أخته، دا أقل رد على شكّه فيّا، لكن أنا معلمتش كدا، أديتك فرصة تالتة يا رشا.. ها.. تالتة… انك تغيري نفسك وتعرفي يعني ايه مسئولية زوج وبيت!!
ليتزعزع قناع البرودة الذي تقلدته وتهتف بذهول غاضب:

– وأنا ما اتغيرتش يا حازم؟…  شخصيتي هي نفسها رشا اللي شوفتها في الأول؟.. للأسف يا حازم انت عاوز التغيير يكون كلي وفي وقت قياسي، ودا مش منطقي ولا معقول، لاني طول عمري بشخصية معينة وطبع خاص بيا، فأكيد التغيير مش هيكون 100% وفي فترة صغيرة، لازم هيحصل مني هفوات، واللي حصل أني حاسيت أني عاوزة أغيّر روتين حياتي، صاحبتي من أيام النادي وعلى فكرة هي مش من الشلة صداقتها معهم مش أوي، إياها عشان كدا لما عزمتني أنا روحت، لكن طبيعي أنها تعزم ناس منهم، ومن أول خمس دقايق زهقت، وكنت عاوزة أروّح، في الطبيعي أنا ما كنتش بمشي قبل الفجر، ولا كانت سعادة هي الأنتيم بتاعي، لكن دلوقتي حاسيت أني مش برتاح الا معها هي، وعشان كدا صممت أنها تروح معايا، معرفش أنه الزفت دا كان هناك، وحصل اللي حصل!!!

هدر فيها يقاطعها:

– كدبتي عليا ليه؟.. ما قولتيش ليه انك معزومة على عيد ميلاد واحدة صاحبتك؟..

هتفت بمرارة:

– لأنك كنت هترفض، تمام زي ما رفضت شغلي في شركة دادي، وطبيعي أني أزهق وأملّ كمان، طول يومك بين المزرعة وعيادتك الجديدة، خبيت لكن ما كذبتش، أكذب لما تسألني سؤال مباشر ومش أجاوب بصدق، أنا كل اللي قلته أني خارجة مع سعادة ومش هنتأخر، ما كذبتش في ولا حرف، حتى لما قلت لك رايحين مول كنتت صادقة لأننا روحنا فعلا المول عشان نجيب هدية لهوازن، لكن أنت ما ادتنيش (لم تعطني) المساحة أني ممكن أغلط تاني، خصوصا وأني اعترفت بغلطتي وندمت، وصدقني أنا القلم اللي أنت ضربتهوني ما وجعنيش قد ما وجعني اللي جرى لسعادة بسببي، وبعدها انهرت، اتهمت وحاكمت وأدنت… أهلي!!!… حاطيت اللوم كله على دادي ومامي مع أني أنا ولؤي نتحمل نسبة كبيرة من الغلط لأننا كبرنا والمفروض عرفنا الصح والغلط، عشان كدا يا حازم انت صح!!!
قطب قائلا في ريبة:

– صح؟!!!.. يعني إيه مش فاهم؟..

أشاحت رشا بعينيها بعيدا وأجابت بصوت خاوٍ:

– احنا ارتبطنا من الأساس كان غلطة…. ولازم تصلّح!!!!

شحب وجه حازم ولكنه تماسك ليسألها بصوت قاتم:

– أنتي شايفة كدا؟..

تماسكت كي لا تنهمر دموعها لتومئ ايجابا وهي تتطلع اليه هامسة بقلب موجوع:

– أكيد..

لمعت عيناه ببريق غامض وهو يجيبها:

– يبقى مش بتشوفي!!!!!!!!!

لتقطب في حيرة وريبة محاولة فهم ما وراء كلماته!!!..

————————————-

ظلت تسير ذهابا وإيابا وعينيها متعلقتان بالدرج المؤدي الى الطابق الاعلى حيث غرف النوم وتحديدا غرفة صغيرتها، قالت دولت بقلق ظاهر:

– حازم اتأخر فوق أوي يا فاضل، أنا خايفة عليها حالتها تتنكس!!

فاضل بهدوء:

– تعالي اقعدي يا دولت وبطلي قلق، هتكون كويسة أن شاء الله، أنتي مش شايفة هما بيحبوا بعض أد إيه؟…

فتحت فمها لتجيبه عندما حدقت واسعا بنقطة محددة أمامها فاغرة فاها بذهول صاعق ليقطب فاضل في حيرة وينهض ملتفتا وراؤه لترتفع حاجبيه الى الأعلى ويهتف بتساؤل الى حازم الذي يهبط الدرجات أمامه:

– حازم يا بني… فيه إيه؟…

حازم وهو يحكم الامساك بحمله الثمين والذي كاد أن يفلت من فوق كتفه حيث يحمله أو…. يحملها كرجل الاطفاء وهو يقول سريعا:

– معلهش يا عمي ما تأخذنيش، لكن أنا باخد مراتي عشان أعرف أتفاهم معها براحتي!!
وغمز لفاضل بعينه ليذكره باتفاقه معه أن يربيها بطريقته الخاصة، ليتنحنح فاضل في حين كانت رشا تركل الهواء بقدميها الحافيتين بينما تكيل اللكمات لظهره وهي تهتف فيه تأمره بانزالها، فقد سقطت فردتي نعلها عندما هجم عليها يحملها فوق كتفه تماما كأضحية العيد!!!.. قال فاضل متعمدا الجدية:

– آه طبعا حقك يا بني… مشاكلكم ما تتحلش (لا تُحلّ) الا في بيتكم!!!
شهقت رشا باعتراض وحاولت الالتفات يمينا ويسارا ولكن حازم أحكم قبضته على ساقيها لتهتف بحنق:

– بيت مين يا بابا، أنا عايزة أتطلق!!!!!!!!!

سكوت تام ساد المكان ووجوم احتل الملامح، ليكون حازم أول من يقطع الصمت السائد قائلا بتحفّز:

– بعد إذنك يا عمي..

ليتبع عبارته القصيرة بـ…. صفعة صغيرة ولكنها حادة لمؤخرتها لتصرخ بألم ودهشة فيما هدر فيها بحزم:

– لو سمعت الكلمة دي منك تاني يا رشا تستاهلي اللي هيرجالك مني!!!!!!!!

ثم اتجه من فوره الى باب الخروج مردفا:

– عن إذنك يا عمي، عن إذنك يا مرات عمي!!
ليخرج صافعا الباب خلفه فهمّت دولت التي كانت تراقب ما يحدث أمامها كالمذهولة باللحاق بهما وهي تهتف:

– رشا.. بنتي..

ولكن منعها فاضل قائلا:

– سيبيهم يا دولت، خليهم يحلّوا مشاكلهم بنفسهم..

دولت بقلق أمومي:

– بس أنا خايفة على رشا يا فاضل..

فاضل بصبر:

– ما تخافيش يا دولت، حازم راجل بجد، وبيحبها فعلا، ادعي لهم أنتي بس أنه ربنا يهديهم..

دولت بدعاء حار:

– ربنا يهديكي يا بنتي انتي وجوزك ويصلح لكم الحال..

فيما زفر فاضل قائلا:

– اللي انتي تقلقي عليه فعلا هو لؤي…. أنا مش عارفة آخرتها إيه؟…

ليعتلي القلق والحيرة سمات وجه دولت وتزفر بأسى بينما قلبها يدعو الله أن يعثّر لؤي على زوجته والذي تاه عقله بضياعها!!!!!..

************************************************

– أيوة يعني حضرتك عاوز تشوف الفيديو بتاع كاميرا المراقبة؟..

لؤي بحزم شديد موجّه لرئيس الأمن في المجمع السكني حيث استراحتهم:

– تمام كدا، في التاريخ اللي قلت لك عليه والتوقيت..

أملى رئيس الأمن أوامره للموظف المسئول ليلتفت بعدها الى لؤي قائلا بمهنية:

– طبعا دا ممنوع، لكن في ظرف زي اللي حضرتك قلت عليه، انسانيا مني وافقت، وان شاء الله الشنطة اللي فيها الورق المهم اللي ضاعت منك تلاقيها وتكسب قضيتك..

لؤي وعيناه لا تحيدان عن الشاشة أمامه:

– دي مش أي قضية، دي قضية عمري كله!!!…

ليصمت فجأة ويهدر بعنف مشيرا بسبابته الى نقطة معينة في الشاشة:

– ثبّت الشاشة هنا..

فانصاع الموظف لرغبته ليردف بعدها لؤي آمرا:

– كبّر المنظر!!!
وركّز لؤي عينيه على المشهد أمامه جيدا لترتفع دقات قلبه عاليا وهو يرى سعادته وهي تخرج بخطوات سريعة، انزوت بعدها في ركن ما، ثم ظهرت رشا وهي تدلف الى منزلهم، وبعدها تقدمت سعادات تلفت يمينا ويسارا وهي تضم بيدها بلوزتها المشقوقة، ثم تقدم منها حارس الأمن وتبادل معها بعض العبارات لتتجه معه بعدها الى كوخ خشبي في أقصى المكان!!!!!!!

حملق لؤي بذهول وصدمة فهي طوال الوقت كانت تحت عيناه بينما كان هو يفتش عنها في مكان آخر، ليهتف بحدة:

– مين اللي دا؟..

قطب مسئول الأمن قائلا:

– دا حارس الأمن المسئول عن المنطقة اللي فيها استراحة حضرتك و….

قاطعه لؤي بحزم:

– هاته!!!
ذُهل الرجل وقال:

– أيوة بس..

التفت لؤي له وقال بهدوء ينذر بالشر ترتجف له الأبدان:

– ابعت هات الحارس دا… حالا… لأنه هو اللي معاه طرف الخيط..

هز رئيس الأمن برأسه قبل أن يرفع سماعة الهاتف الداخلي وتبادل بضعة كلمات قال بعدها ما أن أنهى المكالمة:

– دقايق وهيكون هنا..

وبالفعل لم تمر أكثر من دقائق – والتي مرت على لؤي وكأنها ساعات – إلا وحضر حارس الأمن والذي ما أن شاهده لؤي حتى اندفع اليه يقبض على مقدمة ثيابه مزمجرا بعنف ساحق:

– ودِّيتها فين انطق؟!!!!

الحارس بذهول فهو لا يعلم عن أي شيء يتكلم:

– إيه؟.. مين؟.. أنا..

حاول رئيس الأمن فكاك الحارس من قبضة لؤي وهو يقول:

– ما ينفعش(لا يصلح) كدا يا لؤي بيه، حضرتك اسأله بهدوء مش كدا..

ثم توجه بالحديث الى الحارس قائلا:

– فين شنطة البيه يا حمزة؟..

المدعو حمزة وهو ينقل نظراته بين رئيسه وبين ذلك الضخم الذي يطبق على عنقه يكاد يزهق أنفاسه:

– شنطة.. شنطة أيه؟..

لؤي بشراسة من بين أسنانه المطبقة:

– الست اللي دخلت معك الأودة اللي في الجنينة راحت فين؟..

لتتضح علامات التذكر على وجه حمزة فيجيب بوجل:

– معرفش، أنا لاقيتها تبعانه ومعيّطة، صعبت عليا دخّلتها جوة خصوصا وأنه حالتها كانت صعبة جدا، وكلمت حد من قرايبها تقريبا ما فيش شوية وجه (حضر) أخدها!!

ضغط لؤي بشدة على عنق حمزة وهو يهدر بعنف:

– مين اللي جالها بالظبط؟..

أشار حمزة بيديه علامة الجهل قائلا بصوت مختنق:

– معـ.. معرفش، ما اتكلموش قودامي، كل اللي عمله أنه شكرني وحط عليها الجاكيت بتاعه ومشوا (ساروا بعيدا)!!!..

استطاع رئيس الأمن بصعوبة انقاذ حمزة من بين براثن لؤي الذي كان يتنفس بقوة، وقال بعدها:

– حضرتك مينفعش كدا، وبعدين ست إيه؟.. مش أنت قلت لي أنه اللي ضايع منك شنطة فيها ورق مهم جدا لقضية خاصة بسعادتك؟.. إيه حكاية المدام الي بتقول عليها…

قاطعه صوت الموظف يقول مشيرا الى نقطة في الشاشة أمامه:

– بيتهيألي هو دا!!!

لينتبه لؤي لما سمعه فركز بصره جيدا على الشاشة أمامه حيث أعاد الموظف تشغيل الفيلم والذي لم يكن لؤي قد شاهد بقيته ما أن حضر حمزة، لتمر ثوان تظهر فيها سعادات وبعدها…. حدق لؤي في ما يراه بذهول، وطلب من الموظف ايقاف الصورة وتكبير الشاشة وهو يضع سبابته على نقطة معينة تظهر الرجل المرافق لها والذي ما ان اتضحت بعض معالمه حتى فتح لؤي عينيه واسعا في صدمة، فهو لم يكن ليتوه عن هذه البنية ولا هذا الوجه حتى وأن غمر الظلام بعض ملامحه، ولكنه يعرفه خير المعرفة خاصة وقد تأكد من سيارته، تلك السيارة التي أعجب بها ما أن رآها فهو من هواة السيارات السريعة، ليصارحه صاحبها بأنه قد ابتاعها من الخارج فقد أعجبته ما أن رآها، حيث سافر لتصوير اعلان خاص بشركته الدعائية مع شريكه!!….

اعتدل لؤي واقفا معتصرا قبضته بقوة وهو يتمتم بحقد من بين أسنانه المطبقة غيظا وقهرا:

– بقه كل الوقت دا وانت مستغفلني؟… حسابك معايا عسير.. عسير أوي…

وانطلق من فوره كالصاروخ في حين لاحقه رئيس الأمن بنظراته الذاهلة ولسان حاله يقول “اللي يعيش يا ما يشوف!!”…

**************************************

تعالى صوت رنين جرس الباب بالحاح شديد، ليعلو صوت يقول:

 – طيب حاضر..

فتح يوسف الباب ليفاجئ بهيئة لؤي الشيطانية، حيث تشعث شعره، واستطالت لحيته، فيما تجعدت ثيابه السوداء والتي كانت عبارة عن سروالا من الجينز باللون الأسود وقميصا أسود اللون فتح أزراره العلوية وشمّر أكمامه ليظهر ساعدين قويين، قطب يوسف هادرا فيه بتعنيف شديد:

– ايه في ايه؟.. حد يخبط على حد كدا؟..

لؤي بدون أن يلتفت الى كلمات يوسف المنتقدة، نطق كلمة واحدة بكل شراسة:

– هو فين؟..

يوسف بحيرة وغضب:

– هو مين؟..

قاطعهما صوت أنور الضاحك يقول وهو يقترب من الباب:

– ايه يا جو، فتحت الباب ولزقت على العتبة ليه؟.. اوعى يكون حد من الديَّانة (الدائنون)!!!!!!
ليقف بجانب يوسف وما أن وقعت عيناه على الزائر الغير متوقع حتى حدق بدهشة سرعان ما تداركها وهو يطالع هيئته المزرية بريبة قائلا بينما يمد يده مصافحا:

– أهلا يا لؤي….

نظر لؤي الى يده الممدودة لوهلة قبل أن يرفع يده و…… يهوى بلكمة قوية على وجه أنور جعلت الأخير يتأوه ألما وقد أطاحت به الى الداخل فاندفع لؤي خلفه فيما هدر يوسف بعنف وهو يصفق الباب بدوي عال ليلحق بلؤي:

– انت اتجننت؟.. انت ازاي تسمح لنفسك تتهجم على بيتي بالشكل دا!!!
وقف لؤي يلهث في حين كان أنور يمسح خيطا رفيعا من الدماء التي نزفت من طرف شفته، قال لؤي بشراسة مشيرا الى أنور:

– وأعمل أكتر من كدا كمان!!!

وصلت أصواتهم حيث رنا وندى بالداخل واللتان كانتا ترافقان طاهر كي ينام، لتتسللا خارج غرفة الأخيرة لتستطلعا سبب هذه الضجة العالية، وما أن وقعت نظرات رنا على أنور المكدوم حتى هرعت اليه تهتف بخوف:

– فيه إيه يا أنور؟..

لحقت بها ندى تتساءل بقلق:

– أيه اللي حصل يا يوسف؟..

يوسف بغضب ناري مشيرا الى لؤي الذي كان يقف يتوعد أنور بنظراته القاتلة:

– البيه.. جاي يتهجم على بيتي، ويضرب أنور…

لؤي بعنف فيما توجهت إليه الأعين بالتساؤل والغضب:

– وأعمل أكتر من كدا كمان، أنت لو كنت مكاني يا جو كنت هتعمل أكتر من كدا!!

يوسف بحنق ظاهر:

– أعمل إيه؟.. أتهجم ع الناس في بيوتها وأضربهم؟..

لؤي بسخط عنيف:

– أنت لو عرفت اللي عمله هتقول أنه عندي حق!!
يوسف متهكما:

– عمل إيه يعني؟..

لؤي بصياح غاضب:

– هو اللي أخد سعادة يومها!!!!!!!!!!!!!!!!…

سكوووون تااااااام حلّ بالمكان، وكأن على رؤوسهم الطير!!!… التفت يوسف بالحركة البطيئة الى أنور الذي وقف ينظر اليه بقلق فهو يعلم أن ردود فعل يوسف غير مأمونة العواقب، قال يوسف متسائلا بدهشة بينما يعقد جبينه في ريبة:

– أنت اللي كنت مع سعادات؟…

أجاب أنور محاولا تهدئته:

– اسمعني بس يا جو أنا…….

ولكن ليس يوسف من يستمع بهدوء ويتعامل بالحكمة.. بل…. بقبضة يده!!!… وحيث أنه كان بطلا سابقا في رياضة الملاكمة، فحدث ولا حرج عن أنور، وما حدث لأنور أو تحديدا… لوجه أنور!!!!!

كانت قبضة جو قد انطلقت كالقذيفة لتصطدم بوجه أنور في لكمة صاعقة، جعلت العصافير تزقزق في رأسه وقد التفت حولها في دائرة، فيما تداخلت الألوان أمام عينيه مشكلة حلقات ودوائر، لتصطبغ الدنيا أمامه باللون الأصفر ويترنح في وقفته فأسرعت رنا تسانده، ولكنه لم يرتكز بحمله كله عليها، فاكتفى بأن ألقى ذراعه على كتفيها ورفع يده يصد أي هجوم محتمل من أحد هذين الأسدين وهو يقول بتعب:

– لو مت مش هتعرفوا مكانها!!
رنا هاتفة:

– بعد الشر عليك…

لتقطب وقد استوعبت ما قاله، فنظرت اليه متسائلة:

– انت اللي كنت مع سعادات ليلتها؟..

أنور ببساطة:

– آه…

فابتعدت رنا فجأة ليوشك على السقوط وهو يهتف:

– آآآآآآه…

ونظر اليها بعدها متابعا:

– حتى أنتي يا رنا!!!
هدر لؤي بغضب:

– ودِّيت (ذهبت بـ) سعادة فين؟..

ليردف يوسف بأمر:

– انطق يا أنور ماذا وإلا هعيد لك خريطة وشّك (وجهك) من أول وجديد!!!!

أنور وهو يوشك على البكاء ناقلا نظراته بين هذين الدبّين الضخمين:

– هقول طيب….

ثم رفع عيناه الى السماء متابعا:

– منه له.. منه له…

**************************************

دلف حازم الى منزلهما راكلا الباب خلفه بقدمه ثم اتجه بحمله الى غرفة النوم الرئيسية، حيث ألقى به حرفيّا فوق الفراش، قبل أن يتجه الى الباب حيث أوصده بالمفتاح ثم نزع المفتاح منه ووضعه في جيبه، بينما تابعت رشا ما يقوم به بتقطيبة ريبة، لتهتف به وهي تراه يتجه نحوها وقد حمل وجهه تعبير العزم وبرقت عيناه ببريق قوي:

– انت بتقفل الباب ليه؟…

ولكن لم يجبها وتابع تقدمه منها، لتقف فوق الفراش شاهرة سبابتها في وجهه وهي تصيح بحنق:

– بقولك إيه، اوعى تفكر أنك هتقرّب لي، نجوم السما أقرب لك مني، واتفضل افتح الزفت دا عاوزة أرجع بيتنا تاني..

وقف حازم أسفل الفراش يطالعها بنظرات غامضة ثم تحدث بهدوء يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة:

– أول درس.. لما تيجي تكلمي جوزك صوتك ما يعلاش عليه!!!

قطبت لثوان ثم فتحت فمها تنوي الصراخ احتجاجا حينما قاطعها متابعا:

– تاني حاجة… شتيمة وقلة أدب وطولة لسان مرفوض نهائيا…

نظرت اليه رشا باستنكار وهتفت:

– نعم؟… ما تذنبني أحسن ولا تقول لي وشّك (وجهك) في الحيطة وارفعي إيديكي الاتنين لفوق!!!!
حرك حازم كتفه بلا مبالاة وقال باستهتار:

– مش بعيدة أني أعملها طبعا.. لو ما سمعتيش الكلام واضطريتيني لكدا.. نيجي لتالت حاجة بقة…

وقفت تنظر اليه بحنق ليباغتها بجذب قدمها فهوت ساقطة فوق الفراش وهي تشهق عاليا بينما سحبها لجهته لينحني فوقها مشرفا عليها حتى اختلطت أنفاسهما ويقول ببطء وأمر شديد اللهجة:

– لو سمعت منك كلمة طلاق تاني مش هيحصل لك كويس، انتي جوازك مني جواب نهائي، مش فيه رجوع مهما كان… ودا يوصّلنا لرابع حاجة…

هتفت بحنق وهي تحاول تجاهل دقات قلبها الخائنة التي ترفرف عاليا بداخلها من قربه منها:

– طيب ممكن تبعد شوية؟.. مينفعش كدا!!!

حازم ساخرا:

– وإيه اللي يقل نفعه؟.. عموما رابع حاجة.. انت اتحددت اقامتك بين أربع حيطان البيت هنا، وعشان أكون صريح أكتر معاكي… بين حيطان الأودة دي معظم الوقت!!
رشا بريبة:

– ليه؟..

حازم متظاهر بالتفكير العميق:

– اممممم ليه؟… دي بقه خامس حاجة!!
نظرت اليه رشا بحيرة وتوجس ليجيب حازم غامزا بعبث:

– لغاية ما تيجيبي لنا ولي العهد، وبكدا أضمن أنك مش هتفكري في الكلمة المجنونة اللي انتي قلتيها دي!!!!!!
نظرت اليه رشا لثوان بغير استيعاب وما أن فهمت ما يرمي اليه حتى هتفت بغير تصديق:

– حازم انت..

حازم وهو يميل عليها يزرع عينيه في فيروز عينيها:

– بحبك!!!!..

رشا برفض ودموعها تترقرق داخل مقلتيها:

– حازم لأ…

حازم مقلّدا:

– حازم.. آه..

رشا بضيق:

– يا حازم أنا مش بهزر..

حازم بصبر:

– ولا أنا بهزّر.. اسمعي بقه الكلام دا وحطيه حلقة في ودنك…

نظرت اليها رغما عنها ليتابع بجدية وهدوء:

– دي مش أول مرة هنتخانق، لكن آخر مرة هتكذبي عليا..

وسكت منتظرا تعليقها لتومئ بالايجاب فواصل:

– هنتخانق تاني وتالت وعاشر، وهنتخاصم، لكن عمرنا ما هنبعد عن بعض، لأني بحبك، ولأني عمري ما فكرت أنك ممكن ما تبقيش مراتي مهما حصل، ولأني لو كنت مش عاوزك أو ندمان كنت رميت عليك اليمين يومها، لكن أنا ما عملتش كدا، بالعكس… أنا لآخر لحظة في عمري وأنا هفضل متمسك بيكي، ومش ممكن أفرّط فيكي.. فاهماني يا رشا؟..

أسبلت رشا أهدابها فزفر قائلا:

– أنا عارف أنك مش هتسلمي بسهولة، عشان كدا أحنا لازم نبتدي في خامسا حالا!!!

قطبت رشا ورفعت عينيها تسأله:

– خامـ…..

ولكن حازم كان قد بدأ بالفعل في تنفيذ البند الخامس من فرمانه السامي، وقد قرر أن وقته قد حان بالفعل، لينفصلا عن واقعهما لفترة طويلة جدا حاولت رشا بأولها الفكاك منه ولكنها منيت بالفشل الذريع من… قلبها أولا قبله هو!!..

************************************

رقدت فوق الاريكة دموعها تسيل كخطين من اللؤلؤ في صمت، اقتربت منها تضع قدحا ساخنا من الأعشاب بجانبها قبل أن تميل عليها قائلة بحنان:

– قوم سعادات اشرب بابونج… أعصابك هترتاح بعده..

اعتدلت سعادات جالسة وقالت وهي تزيح خصلاتها عن وجهها:

– ماليش نفس يا أنّا بجد!!

نفخت نازلي بضيق وقالت وهي تجلس الى جوارها:

– كدا غلط سعادات، دكتور قال لازم تاكل تمام، وتنام تمام عشان حالتك حبيبي، لكن انت نوم يوك (لأ) أكل يوك، حرام عليك بيبي!!!

وربتت بيدها على بطن سعادات المسطحة لتقو سعادات بتعب وشبح ابتسامة واهنة ارتسم على وجهها:

– ماليش نفس بجد يا أنّا، حاسة اني بطني مقلوبة…

نازلي بصبر:

– يا واش يا واش سعادات (واحدة واحدة)… لازم كدا عشان وحم أول شهور حمل، لكن كوُل يا واش يا واش، بعدين وحم يروح وهتكون تمام..

سعادات بهزة رأس موافقة:

– ان شاء الله يا أنّا..

وكانت سعادات قد فاجئتهما هي وأنور بسقوطها مغشيا عليها ما ان خطت بقدميها منزل نازلي القديم والذي للصدفة البحتة صمتت الجدة على فتحته والمكوث فيه قليلا قبيل سفرها لاسطنبول، وما أن هوت سعادات حتى أسرع أنور بالذهاب بها الى أقرب مشفى بصحبة نازلي حيث فحصها الطبيب الذي أبلغهم بعدها بحملها في الشهر الثاني!!…

قالت أنّا بحنق:

– أنا مش كنت أعرف أنه لؤيات طلع غبيات كدا!!… لكن ولا يهمك حبيبي، لؤيات لازم تتربى وتتأدب، طلعت أدب سيس خرسيس!!

سعادات بجمود:

– أنا مش عاوزة منه حاجة غير ورقتي وبس…

نازلي بجدية:

– سعادات.. انتي لسه بتحبيها!!

هتفت سعادات:

– لا أنا..

قاطعتها نازلي تنهرها:

– ها.. لا لا لا سعادات، كذب لا… انتي حبيها سعادات، وهي كمان غبيات لكن بتحبك وكتير كمان، شكلها آخر مرة شوفتها فيه نوم يوك.. أكل يوك… تمام أنتي سعادات…

سعادات بوجوم:

– لؤي مش شك فيا وبس لأ يا أنّا، لؤي عاقبني بماضيه اللي انتي حكيتي لي عنه زي ما سمعتيه من أبلة ندى، لؤي ما كانش صريح معايا من الأول، شك فيا، ومش بس كدا دا شكه فيا خلّاه (جعله) يعتقد أنه فيه حاجة بيني وبين حازم جوز أخته، دا غير أنه عايرني بأهلي، بأبويا وأمي، وأنا لو سامحت في أي حاجة عمري ما أسامح في اهانة او تجريح لأبويا أو أمي أو أي حد من أهلي خالص…

قالت نازلي برفق:

– طيب حبيبي، انتي ارتاحي، انفعال غلط عليك، أنا هشوف بنت صباح خلص غدا ولا لأ.. 

وانصرفت نازلي، ولم تمر دقائق حتى تعالى رنين جرس الباب، ولكن من الواضح أن أيا من نازلي أو الخادمة صباح لم تنتبه اليه لتتحامل سعادات على نفسها وتجر قدميها لتتجه الى الباب حيث يقف ذلك الطارق اللحوح، والتي ما أن شرعت الباب وهي تقول في ابتسامة شاحبة:

– ايه الفرح اللي انت عامله دا يا أنو…..ر!!!!!!!!

كان يقف بالباب ينظر الى الأسفل ليرفع رأسه الى الأعلى ببطء لتتكسر آخر كلماتها على شفتيها وتقف فاغرة فاها في صدمة وعدم تصديق، لتتراجع الى الخلف بغير وعي منها، فتقدم هو الى الداخل موصدا الباب وراؤه وبينما هي ترجع بضعة خطوات للخلف كان هو يدنو منها بأخرى ثابتة وهو يقول بابتسامة شبيهة بابتسامة النمر الذي استطاع الايقاع بفريسته:

– قلت لك قبل كدا يا جمع سعادة…. مهما بعدتي بردو هعرف  أوصّل لك، عشان تتأكدي أنه طرقك كلها في الآخر بتنتهي عندي أنا…. جوزك!!!!!!!

لتشحب بشدة ترنحت بعدها بضعف فظنّ لؤي أن هذا ما هو إلا محض تمثيل منها ولكن سرعان ما أدرك خطأ ظنّه هو يراها تهوى ليتلقفها بين ذراعيه فيحملها يقرّبها منه مستنشقا عبير شعرها الذي افتقده بشدة، يحتويها بين أحضانه ككنز يخشى فقده، فيما طالع عينيها المطبقتين على بعضهما البعض وقد استعادت وجنتيها بعضا من دمائها الهاربة، ليميل لاثما ثغرها الوردي بقبلة خاطفة، قال بعدها وكأنه يدلي بقسم:

– دا مكانك الوحيد… اللي مش ممكن هسمح لك أنك تبعدي عنه مهما حصل، هنا.. في حضني.. وبين دراعاتي(ذراعيّ)!!!!!..

                                 – يتبع –

 

شاهد أيضاً

المطرب احمد الديب يطرح اغنيتة الجديدة وانا وياك

كتب وليد شفيق طرح مؤخرا المطرب الشاب احمد الديب احدث اغانياته وهي بعنوان وانا وياك …

اترك رد

error: Content is protected !!